مع اقتراب نهاية مهمة اليونيفيل في لبنان، بدأت القوات الدولية بتسليم مواقعها إلى الجيش اللبناني، وكان موقع الخردلي الواقع جنوب نهر الليطاني من أوائل المواقع التي انتقلت إلى اللواء السابع في الجيش اللبناني، ضمن خطة لنقل عدد من مواقع القوات الدولية إلى الجيش اللبناني، تنفيذا لقرار مجلس الأمن الدولي؟
وفي ظل التصعيد المتواصل جنوبا والخلاف القائم حول تلال علي الطاهر، تتجه الأنظار إلى ما بعد عملية التسليم، وما إذا كان انتقال هذه المواقع إلى الجيش سيشكل بداية لمرحلة جديدة في الجنوب، أم أن لبنان مقبل على استحقاقات أمنية وسياسية أكثر تعقيدا مع انتهاء مهمة اليونيفيل واحتدام الخلاف حول ملف السلاح وآلية التحقق منه؟
في هذا السياق، أكّد الصحافي والمحلل السياسي المختص بالعلاقات الدولية خالد زين الدين أن تسليم اليونيفيل مركزها في الخردلي إلى الجيش اللبناني لا يعني بالضرورة بدء انتقال تدريجي لمهام القوات الدولية إلى الجيش، مشيرا إلى أن الموقع بحد ذاته ليس ذا أهمية استراتيجية كبرى بالنسبة إلى إسرائيل، باعتباره جسرا صغيرا.
واعتبر عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن أهمية الخطوة تكمن في دلالتها السياسية، إذ إن تسلّم الجيش للموقع يؤكد، برأيه، أن اليونيفيل لن يمدّد لها، وأن إسرائيل والولايات المتحدة لا تريدان بقاءها على الحدود، لافتا إلى أن اليونيفيل موجودة في لبنان منذ العام 1978، لكنها لم تتمكن من ردع حزب الله أو منع إسرائيل. واعتبر أن أبرز ما استطاعت القيام به كان تثبيت الحدود اللبنانية دوليا، من خلال تأكيد حدود لبنان وحدود إسرائيل، وتحول وجودها عمليا إلى ما يشبه أعمدة حدود دولية. وقال إن القوات الدولية لم تكن تملك حتى القدرة الكافية على الدفاع عن نفسها، إذ كانت تتلقى ضربات من الجانب الإسرائيلي ومن حزب الله.
وشدد زين الدين على أن ما يحصل لا يمكن قراءته باعتباره انتقالا تدريجيا للمسؤوليات إلى الجيش، متسائلا عن جدوى ذلك في ظل مطالبة إسرائيل بتلال علي الطاهر الواقع شمال نهر الليطاني. وحذر من أن تسليم الجيش اللبناني مركزا في الخردلي قد لا ينهي المسألة، مع وجود خشية من أن تأتي لاحقا أوامر بتسليم المركز نفسه إلى الإسرائيليين.
أما بالنسبة إلى انتشار الجيش اللبناني، فرأى أن وجوده في الناقورة لن يغير المسار، في ظل استمرار الوجود الإسرائيلي والعمليات العسكرية، مشيرا إلى أن إسرائيل لا تزال موجودة في الجنوب، ولا تزال تنفذ عملياتها ولم تنسحب. وبالتالي، فإن لبنان أمام أزمة كبيرة لا يمكن حلها بمجرد انتقال بعض المواقع من اليونيفيل إلى الجيش اللبناني، خصوصا وأن المرحلة المقبلة، مع انتهاء مهمة اليونيفيل، لن تشهد وفق قراءته بقاء قوات دولية على الحدود، في ظل الرفض الأميركي والإسرائيلي لاستمرار هذا الوجود.
وفي ملف السلاح، اعتبر زين الدين أن حسم مسألة سلاح حزب الله مرتبط أولا بجلاء الاحتلال وثانيا بتطورات المنطقة، مشددا على أن الفترة المقبلة ستبقى مرتبطة بما ستؤول إليه التطورات الإقليمية. ورأى أن قضية حصر السلاح بيد الدولة هي في الأساس قضية داخلية إقليمية، معتبرا أنه لو كان اللبنانيون موحدين لما طُرحت القضية بهذه الطريقة. وأكد أن لبنان كدولة لا يريد التدخل في شؤون أحد ويجب أن لا يقبل في المقابل أن يتدخل أحد في شؤونه الداخلية.
وانتقد الرهان على المجتمع الدولي في فرض الحلول، معتبرا أن القرار الفعلي يبقى مرتبطا بالموقفين الأميركي والإسرائيلي. واستشهد بالقرارات الدولية منذ العام 1948، وبالقرارات المتعلقة بالقدس وفلسطين، لا سيما القرارين 242 و338، إضافة إلى قرارات أخرى، معتبرا أنها لم تُنفذ. وفي المقابل، أشار إلى أن لبنان يثق بجيشه، بينما إسرائيل لا تكتفي بانتشار الجيش اللبناني وتريد أن تتحقق بنفسها من انتشاره وعمله، وهو ما يراه تدخلا في الشأن اللبناني.
وحذر زين الدين من أن لبنان والمنطقة يتجهان نحو مرحلة تصعيد، معتبرا أن الحرب التي بدأت بهذه القوة ووفق هذه الخطط لن تنتهي بسهولة. ورأى أن لبنان وإيران مقبلان على تغييرات كبرى، فيما يبقى توقيت هذه التغييرات وكيفيتها عاملا أساسيا في تحديد مسار التطورات المقبلة.
وفي قراءة للعوامل السياسية المؤثرة، أشار إلى أن الانتخابات الإسرائيلية والأميركية المقبلة ستكون حاضرة بقوة في تحديد المسار، إذ إن إسرائيل بحاجة إلى إنجاز، وكذلك الولايات المتحدة، في وقت تواجه فيه إيران ضغوطا اقتصادية كبيرة، معتبرا أن هذه الحسابات السياسية والانتخابية قد تؤثر في القرارات العسكرية ومسار التصعيد خلال المرحلة المقبلة.
من هنا نبّه زين الدين من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يستعجل الذهاب إلى مزيد من العدوان للحفاظ على مستقبله السياسي، خصوصا وأن مستوطني الشمال المحسوبين سياسيا عليه بدأوا، بحسب تقديره، بالانقلاب ضده، لافتا إلى أن الحاجة الإسرائيلية إلى تحقيق إنجاز قد تشكل عاملا إضافيا يدفع باتجاه التصعيد. وبذلك، أشار إلى أن الفترة الممتدة حتى انتهاء الانتخابات الأميركية والإسرائيلية ستكون مرحلة ترقب وانتظار، فيما سيبقى مسار الأحداث مرتبطا بالتطورات الميدانية والسياسية في المنطقة.
إذا، وعلى الرغم من اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل وبدئها تسليم مواقعها تدريجيا إلى الجيش اللبناني، لا تزال صورة المرحلة المقبلة غير واضحة، في ظل غياب بحث جدي ومعلن حول شكل الانتشار الذي سيحل مكان القوات الدولية، أو ما إذا كان سيُصار أصلا إلى نشر قوات بديلة، فيما يستمر التصعيد الإسرائيلي والخلاف حول عدد من النقاط، ما يجعل القلق حاضرا حيال المرحلة التي ستلي انتهاء مهمة القوات الدولية.