يتواصل التصعيد جنوبا، فيما تحاول إسرائيل التقدّم نحو تلال علي الطاهر عبر عمليات الجرف والقضم التدريجي للمرتفعات، في وقت يرفض فيه حزب الله بشكل قاطع التخلي عنها، معتبرا أن ما يُروج عن أهميتها العسكرية مبالغ فيه. في المقابل، يبرز تمسك إسرائيل بالوصول إليها، وسط حديث عن أهمية الموقع في فرض وقائع ميدانية جديدة ورسم خطوط السيطرة جنوبا.
فهل تكون علي الطاهر هدفا إسرائيليا بحدّ ذاتها، أم أنها جزء من منظومة دفاعية أوسع تسعى إسرائيل إلى تفكيكها؟ وماذا تخفي هذه المرتفعات تحت الأرض؟ وهل ستكتفي إسرائيل بها؟ وما الذي يعنيه سقوطها بالنسبة إلى قدرات حزب الله ومشهد المواجهة جنوبا؟
ولشرح أهمية مرتفعات علي الطاهر، أكّد الخبير الاستراتيجي والعسكري العميد الركن المتقاعد إلياس حنا أن هذه المنطقة تتألف من ثلاثة مرتفعات متجاورة هي علي الطاهر، والدبشة، والطهرة، وتنبع أهميتها من عاملين أساسيين: موقعها الحاكم فوق الأرض، وما تتضمنه في باطنها، موضحا أن المرتفع يُعد عسكريا "نقطة حاكمة" تشرف على النبطية، وعلى محاور التقدم ومداخل إقليم التفاح من الجهة الشمالية الشرقية، ما يمنح من يسيطر عليه أفضلية كبيرة في المراقبة والاستطلاع وتوجيه النيران، فضلا عن تأمين محاور الحركة في حال وجود توجه للتقدم شمالا.
أما تحت الأرض، فتحدث عَبرَ مِنصة "بالعربي" عن وجود تقارير عديدة تتحدث عن شبكة من التحصينات والأنفاق التي تضم مراكز قيادة واتصال ومخازن للأسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة، لافتا إلى أن صحيفة تايمز أوف إسرائيل تحدثت عن تقديرات إسرائيلية بوجود مركز قيادة لقوة بدر التابعة لحزب الله تحت مرتفعات علي الطاهر، وهي القوة المسؤولة عن المنطقة الواقعة شمال الليطاني.
واعتبر حنا أن إصرار إسرائيل على الوصول إلى علي الطاهر لا يرتبط باحتلال المرتفع فقط، إذ إن السيطرة عليه قد تحرم حزب الله من عقدة دفاعية مهمة، مرتبطة بعقد دفاعية ثانوية في البلدات المحيطة وشبكة الأنفاق التابعة لها. لذلك، فإن الوصول إلى البنية التحتية الموجودة تحت الأرض وتفكيكها يمثل جزءا أساسيا من الهدف الإسرائيلي.
وفي قراءة للتحركات الإسرائيلية الأخيرة، رأى أن عمليات التجريف التي تحصل في المنطقة توحي بأن علي الطاهر ليس هدفا منفردا، بل جزء من منظومة دفاعية أوسع لحزب الله يسعى الجيش الإسرائيلي إلى تفكيكها، بهدف إعادة تشكيل واقع عسكري جديد في جنوب لبنان. وقال إن إسرائيل تستخدم هذه الوقائع أيضا في الضغط ضمن المفاوضات، خصوصا وأن علي الطاهر والبلدات التي سيطرت عليها أُدرجت ضمن ما تصفه إسرائيل بـ "المنطقة الصفراء".
ولفت حنا إلى أن الرد الإسرائيلي بعد استهداف جرافة في إحدى تلال علي الطاهر يعكس أهمية الموقع بالنسبة إلى إسرائيل، فيما تتحدث التقارير الميدانية عن تقدم إسرائيلي جديد في محيط النبطية باتجاه المرتفعات، بعد قصف وتجريف وضغط متواصل على المنطقة، رابطا أهمية علي الطاهر بالسيطرة الإسرائيلية على قلعة شقيف. واعتبر أن السيطرة على المرتفعين يمكن أن تتيح لإسرائيل استكمال محور عسكري مهم. فبحسب رأيه تؤمّن قلعة الشقيف حماية للمطل الواقع خلفها، فيما يمكن لعلي الطاهر أن تؤمّن منصة تمهّد لأي تحرك باتجاه الشمال. وبذلك، تصبح إسرائيل أمام سلسلة من النقاط الحاكمة التي تتيح لها المراقبة والسيطرة بالنيران، من شقيف إلى علي الطاهر، وصولا إلى التأثير في النبطية ومحاور الليطاني وأجزاء من إقليم التفاح.
أما عن الخطوة الإسرائيلية المحتملة بعد علي الطاهر، فبيّن أن تحديد الهدف المقبل يبقى صعبا، لكن منطق الأرض يفتح أمام إسرائيل ثلاثة اتجاهات محتملة: التوجه غربا، أو شمالا باتجاه النبطية، أو شمال شرق باتجاه مرتفعات إقليم التفاح، ولا سيما الريحان والسجود وغيرها من المرتفعات التي يصل ارتفاع بعضها إلى نحو 1100 و1200 و1300 متر.
في المقابل، لم يستبعد حنا أن تكتفي إسرائيل بالسيطرة على علي الطاهر وربطها بالمواقع التي باتت تحت سيطرتها، وتحويلها إلى خط سيطرة متقدم يمكنها من المراقبة والضغط، خصوصا بعدما أدرجتها ضمن المنطقة الصفراء، مؤكدا أن الهدف المرجح في هذه المرحلة لا يبدو احتلال النبطية بحد ذاتها، نظرا إلى الكلفة العسكرية والسياسية العالية لدخول مدينة بهذا الحجم، وهي ثاني أكبر مدينة في الجنوب بعد صيدا، فضلا عن وجود ضغط أميركي باتجاه إتاحة فرص أكبر للمفاوضات. ولذلك، رجّح أن يبقى الوضع عند هذا المستوى، مع احتمال أن تكتفي إسرائيل بما وصلت إليه في علي الطاهر.
وعن تداعيات سقوط المرتفع على حزب الله، شدد حنا على أن سقوط علي الطاهر لا يعني انهيار الجبهة لدى الحزب، معتبرا أن القول إن التلة غير مهمة عسكريا غير دقيق أبدا. فهي نقطة حاكمة تمنح إسرائيل أفضلية في المراقبة والسيطرة بالنيران على محاور باتجاه النبطية وشقيف وإقليم التفاح.
وقال إنه في حال صحت المعلومات عن وجود أنفاق وتحصينات ومخازن ومراكز عمليات تحت المرتفع، فإن خسارته تعني فقدان جزء من البنية العملياتية للحزب، لا سيما إحدى أهم العقد الدفاعية الموجودة تحت علي الطاهر. لذلك، فإن سقوطها يمثل ضربة عملياتية مهمة ذات مفاعيل استراتيجية، وإن لم تكن حاسمة بمفردها.
ورأى حنا أن الخطورة الحقيقية تكمن في حال تمكنت إسرائيل من ربط علي الطاهر بشقيف ومواصلة الضغط باتجاه مرتفعات أخرى في العمق، لأن ذلك سيعني الانتقال من مجرد سقوط تلة إلى تفكيك تدريجي لمنظومة دفاعية متكاملة.
أما تقليل حزب الله من أهمية علي الطاهر، ففسّره بمحاولة التأكيد أن منظومته الدفاعية شبكية ولا تعتمد على موقع واحد، إضافة إلى السعي لمنع إسرائيل من تحويل السيطرة على المرتفع إلى نصر عسكري أو إعلامي أو ورقة تفاوضية، مشددا على أن سقوط علي الطاهر، في حال حصوله، سيحمل مفاعيل عملياتية واستراتيجية مهمة، وإن لم يكن بحد ذاته حاسما في مسار المواجهة.
إذا، وعلى الرغم من محاولة حزب الله التقليل من أهميتها أمام الرأي العام، فإن المعطيات كافة تؤكد أنها تشكّل نقطة حاكمة في منظومته الدفاعية. وفيما يتمسك الحزب بهذه التلال، تصرّ إسرائيل على التقدّم نحوها واحتلالها، ما يثير مخاوف كبيرة من أن تتحوّل معركة علي الطاهر إلى شرارة تعيد الجنوب ولبنان إلى الانفجار الكبير.