August 24, 2026   Beirut  °C
سياسة

نزيه درويش: علي الطاهر ورقة انتخابية بيد نتنياهو.. وحزب الله لن يتخلى عنها

لم تعد تلة علي الطاهر مجرد نقطة جغرافية في جنوب لبنان، بل تحوّلت إلى واحدة من أعقد أوراق المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، وإلى اختبار فعلي لقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها وبسط سلطة الجيش على الأرض.


فبين حزب يتمسك بالتلة لما تمثله من أهمية عسكرية واستراتيجية ورمزية، وإسرائيل تضعها تحت المجهر وتترقب اللحظة المناسبة لحسم ملفها، تجد الدولة نفسها أمام عقدة قد تهدد مسار المفاوضات برمته.


وفي وقتٍ يقدم فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري ضمانات بشأن انتشار الجيش جنوب الليطاني، يبقى السؤال الأكثر حساسية بلا جواب: ماذا عن تلة علي الطاهر التي يرفض الحزب تسليمها إلى الجيش؟ وهل يمكن أن تنجح الضمانات السياسية في تجنيبها مواجهة عسكرية، أم أن إسرائيل ستختار توقيتها الخاص لحسم مصيرها ميدانيا، وتحويلها إلى ورقة في حسابات بنيامين نتنياهو الداخلية والانتخابية؟


في هذا الإطار، أكد الكاتب والباحث السياسي نزيه درويش أن حزب الله رفض منذ اليوم الأول مضمون اتفاق الإطار والمناطق التجريبية، انطلاقًا من اعتباره أن المفاوضات تمثل خطوات استسلامية لإسرائيل، مشيرًا إلى أن الدعم والضغط الإيرانيين يدفعان، برأيه، باتجاه إطالة أمد تأخير التطبيق الفعلي للاتفاق.


ولفت، عبر منصّة "بالعربي"، إلى أن انسحاب إسرائيل من المناطق التي يشملها الاتفاق لا يبدو أولوية بالنسبة إلى الحزب، الذي لديه أهداف مختلفة تمامًا عن أهداف الدولة اللبنانية التي فاوضت، وكذلك عن أهداف الأميركيين الذين يضغطون لتنفيذ بنود الاتفاق بأسرع وقت.


وفي ما يتعلق بتلة علي الطاهر، أوضح درويش أن إسرائيل أعطتها حجمًا أكبر من حجمها لأهداف خاصة بها، معتبرًا أن الموقع يتمتع، في الوقت نفسه، بأهمية استراتيجية، كونه يشرف على النبطية، وأن سقوطه يعني أن النبطية تصبح تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة. لذلك، اعتبر أن حزب الله لن يكون مستعدًا لتسليمها بسهولة إلى الجيش اللبناني، لأن خروجه منها سيؤدي إلى كسر رمزية وهيبة كبيرتين بالنسبة إليه.


ولفت إلى أن أهمية التلة لا ترتبط بعدد مقاتلي الحزب الموجودين فيها، والذي قد لا يتجاوز، بحسب تقديره، نحو أربعين مقاتلًا، بل بما تحتويه من أنفاق كبيرة وبنية تحتية تابعة لحزب الله، فضلًا عن قيمتها السياسية والاستراتيجية. وبالتالي، لا يريد الحزب التخلي عنها لمجرد إنجاح المفاوضات أو منح الدولة اللبنانية، وفق تعبيره، "شرف" القول إنها تمكنت من تحرير منطقة لبنانية أو إنقاذها من التدمير الإسرائيلي.


وعن احتمال تدمير التلة، اعتبر درويش أن إسرائيل ستستخدم ورقة علي الطاهر وفق توقيتها وحساباتها، مرجحًا أن يرتبط ذلك بالانتخابات الإسرائيلية الداخلية. وقال إن إسرائيل، برأيه، لن تنهي هذا الملف الآن، بل قد تؤجله إلى أبواب الانتخابات، لاستخدام السيطرة على منطقة مهمة كهذه كرافعة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو انتخابيًّا، وهو ما يفسر أيضًا، بحسب تقديره، إبراز إسرائيل لحجمها الاستراتيجي.


وعن ضمانات رئيس مجلس النواب نبيه بري لانتشار الجيش جنوب الليطاني، اعتبر درويش أنه لا ضمانات فعلية، مستندًا إلى تجربة انتشار الجيش وخطة جنوب الليطاني قبل الجولة الأخيرة من الحرب، والتي أظهرت، بحسب رأيه، أن الجيش لم يكن قادرًا، أو ربما لم يكن راغبًا، في تنفيذ ما نص عليه الاتفاق بالشكل المطلوب. وأضاف أن لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة، وكذلك حزب الله، يمكن أن تكتفي بضمانة شفهية من بري، لأن الواقع لا يقدم ما يضمن تنفيذها.


وأشار إلى أن حزب الله لا يزال يتعامل مع الملف على عدة طبقات، ويصل في خطابه إلى موقفه النهائي القائم على أنه إذا خرجت إسرائيل نهائيًّا من كل لبنان، فعندها يمكن البحث في مسألة السلاح، معتبرًا أن هذا الموقف مختلف تمامًا عن بنود الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن، والذي جرى على أساسه تجديد وقف إطلاق النار.


وبيّن درويش أن العقدة الأساسية تكمن في اختلاف تفسير الأطراف للترتيبات الأمنية. فالدولة اللبنانية تقدم تفسيرًا لهذه الترتيبات يختلف عن التفسيرين الإسرائيلي والأميركي، فيما تريد إسرائيل، وفق قراءته، أن يكون جنوب لبنان خاليًا تمامًا من أي وجود أو بنية عسكرية لحزب الله، وفق التدرج الذي ينص عليه الاتفاق.


وأفاد بأن أهم ما تمكن المفاوض اللبناني من تحقيقه كان إقناع الأميركيين بأن يكون الاتفاق تدريجيا، بحيث يتم التعامل مع وجود حزب الله العسكري من منطقة إلى أخرى، لا دفعة واحدة، وأن يتم التأكد، في كل منطقة، من خلوها من مقاتلي الحزب وسلاحه وتجهيزاته وبنيته العسكرية، بما يسمح بتسريع الانسحاب الإسرائيلي تدريجيًّا من الجنوب، بدل أن يكون الانسحاب كاملًا وفوريًّا.


لكن هذا المسار لم يصل، بحسب درويش، إلى مرحلة واضحة حتى الآن، إذ إن الجيش اللبناني لم يعلن صراحة أن المنطقتين الصغيرتين اللتين تجري فيهما الترتيبات حاليًّا أصبحتا خاليتين تمامًا من وجود أو بنية عسكرية تابعة لحزب الله. وبرأيه، فإن هذا الواقع سيبقي ملف تلة علي الطاهر عقدة في المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل اختلاف الرؤى حول كيفية تنفيذ الاتفاق وما يجب أن يترتب على كل مرحلة من مراحله.


في المحصلة، لم تعد الضمانات الشفهية كافية لمعالجة الواقع اللبناني المعقّد، في ظل تباين التفسيرات حول الاتفاق، وتمسّك حزب الله برفض تسليم سلاحه ومواقعه الاستراتيجية، ومن بينها تلة علي الطاهر، في مقابل إصرار إسرائيل على فرض وقائعها ميدانيا قبل موعد انتخاباتها الداخلية، ليبقى مصير الجنوب مفتوحًا على مزيد من التصعيد.