أما وقد توجه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى العاصمة الإيطالية روما، التي تستضيف جولات المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية، فتبرز تساؤلات حول النتائج التي يمكن أن تخرج بها لقاءاته مع المسؤولين الإيطاليين ومع البابا لاوون الرابع عشر، ولا سيما في ظل التعقيدات التي تحيط بالملف اللبناني - الإسرائيلي.
اللبنانيون، في معظمهم، يأملون أن تُحدث الزيارة خرقًا ما في الجمود القاتل الذي يحول دون إيجاد حلول للوضع في الجنوب. لكن، في ظل الرفض الإسرائيلي للانسحاب من مناطق تجريبية جديدة، بالتوازي مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، بما فيها القصف والهدم والتفجير، وفي مقابل رفض حزب الله تسليم سلاحه إلى الدولة وانتشار الجيش اللبناني في تلة علي الطاهر، تبرز علامات استفهام جدية حول جدوى هذه الزيارة، ومدى إمكانية أن تفضي اللقاءات المرتقبة إلى نتائج ملموسة تساهم في كسر حالة المراوحة القائمة.
وبانتظار ما ستؤول إليه نتائج لقاءات الرئيس عون، يبقى الوضع الميداني هو العنوان الأبرز، خاطفًا الأنظار من المسارات السياسية والدبلوماسية، في انتظار ما ستؤول إليه التطورات العسكرية في ملف تلة علي الطاهر. وهي تطورات قد تنذر، في حال تعذر التوصل إلى حلول دبلوماسية، بإشعال لبنان في جولة مواجهات ثالثة قد تكون أكثر تدميرًا من سابقاتها.
وعن زيارة الرئيس عون إلى روما، وما يمكن أن تفضي إليه من نتائج، تحدث الكاتب والمحلل السياسي بشارة شربل، فأكد أن أي زيارة يقوم بها رئيس الجمهورية جوزاف عون أو رئيس الحكومة نواف سلام إلى الخارج، بهدف مساعدة الدولة اللبنانية، تبقى مفيدة، حتى وإن لم تحقق نتائج كبيرة أو فورية.
وقال عبر منصة "بالعربي" إن الزيارة قد تتيح للبنان تحقيق مكاسب دبلوماسية تدريجية، موضحًا أن المعارك الدبلوماسية يمكن ربحها بالنقاط، وليس بالضرورة عبر تحقيق "الضربة القاضية"، مشيرًا إلى أن محاولة الرئيس عون في روما تتركز، بصورة خاصة، على موضوع القوة الدولية التي يمكن أن تتشكل للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي من جهة، ونزع سلاح حزب الله من جهة أخرى.
وأوضح شربل أن لبنان يعول على إيطاليا لترؤس هذه القوة، أو أن تكون شريكًا أساسيًا وفاعلًا فيها، باعتبار أن إيطاليا تحظى بقبول مختلف الأطراف، معتبرًا أن تعنت إسرائيل وتعنت حزب الله يمثلان المشكلة الحقيقية التي يعانيها لبنان ويعانيها اتفاق الإطار، ومشيرًا إلى أن عدم إنجاز المراحل الأولى التجريبية بالشكل المطلوب يعود، في جانب أساسي منه، إلى مواقف الطرفين.
ولفت إلى أن إسرائيل تمتلك اليد الطولى في ظل اختلال موازين القوى، وهي لا تزال تمارس عمليات الهدم والتفجير والقتل، معتبرًا أن الحل الواقعي والعملي لا يكمن في إضاعة الوقت في التفاصيل، بل في أن تقوم الدولة اللبنانية بواجباتها في ملف نزع سلاح حزب الله على مجمل الأراضي اللبنانية، وليس فقط في المناطق التجريبية.
وأضاف أن المدخل الصحيح يبدأ بسيطرة الدولة على عاصمتها أولًا، وعلى كامل الأراضي اللبنانية بالتوازي، وليس بالبدء حصرًا من المناطق التجريبية. وأكد أن مهمة الحكومة تتمثل في تنفيذ قراراتها التي صدرت في 5 و7 آب من العام الماضي، إضافة إلى القرار الذي صدر في 2 آذار، معتبرًا أن إعادة النظر في الأولويات باتت واجبًا على الحكومة، ومشيرًا إلى وجود مؤشرات على مساعدات دولية للبنان. وقال إن المؤتمر الذي يُعقد في باريس يمثل جزءًا من هذا المسار، لكنه شدد، في المقابل، على أن هناك عملًا ضروريًا يجب أن تقوم به الدولة اللبنانية من الداخل، ولم تنجزه حتى الآن.
وفي ما يتعلق بإمكان فرض الدولة نزع سلاح حزب الله في ظل رفض الحزب، قال شربل إن تهديدات الحزب باستخدام الشارع هي "تهويل"، معتبرًا أن الحزب ليس في موقع يسمح له بخوض تجربة عنفية ضد الدولة اللبنانية، ولن يستطيع إقناع أحد بخيارات من قبيل التظاهر أو إسقاط الحكومة أو التصدي لها. وأكد أن الظروف باتت مناسبة أمام الدولة لفرض هيبتها، شرط أن تقتنع بأنها دولة، وأن تعيد تجديد تفويض الجيش بحصر السلاح ونزعه.
واعتبر أن التفويض السابق "انتهت صلاحيته"، لأن قرار حصر السلاح، وفق تعبيره، دخل في "سبات عميق"، داعيًا مجلس الوزراء إلى الاجتماع مجددًا والتأكيد على القرار، ومشددًا على أن حصر السلاح يجب أن يبدأ من العاصمة بيروت، وليس من الجنوب.
وعن احتمال أن تؤدي معركة تلة علي الطاهر إلى تفجير الوضع اللبناني مجددًا، استبعد شربل اندلاع حرب شاملة، معتبرًا أن المسألة قد تستغرق وقتًا، وربما يتم التوصل إلى حل لها. وربط تطورات الملف بالمسار الإيراني - الأميركي والتطورات المتعلقة بمضيق هرمز، مؤكدًا أن أي تطور عسكري في علي الطاهر، إذا حصل، يمكن أن يبقى محدودًا، ولا يؤدي بالضرورة إلى حرب شاملة في لبنان.
وفي ما يتعلق بهدف زيارة الرئيس عون إلى روما، قال شربل إن رئيس الجمهورية ذهب لتأكيد ثوابت الدولة اللبنانية وطلب المساعدة الدولية، مشيرًا أيضًا إلى أهمية اللقاء المرتقب مع البابا في الفاتيكان في دعم توجهات الدولة اللبنانية.
وحذر من أن يكون التركيز على تمديد مهمة اليونيفيل هو الخيار الأساسي، معتبرًا أن الولايات المتحدة وإسرائيل ترفضان استمرارها بصيغتها الحالية، وأن تجديد مهمتها يحتاج إلى قرار جديد من مجلس الأمن. كما أكد أن اليونيفيل لم تتمكن، طوال السنوات الماضية، من القيام بواجباتها كاملة، سواء بسبب منعها من ذلك أو بسبب محدودية أدائها، داعيًا إلى التركيز على تشكيل قوة دولية جديدة يمكن أن تكون بديلًا من اليونيفيل.
وبينما تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن تفضي إليه زيارة الرئيس جوزاف عون إلى روما من مخارج للجمود القائم، يبقى الوضع الميداني في الجنوب هو الاختبار الفعلي لأي حل مرتقب. فمع استمرار التعنت الإسرائيلي، في مقابل تمسك حزب الله بموقفه من سلاحه، تبدو قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها، بالتوازي مع أي دعم دولي، العامل الأبرز في منع انزلاق الوضع نحو مواجهة جديدة قد تكون أكثر خطورة وتدميرًا.