من الفاتيكان إلى روما، يتحرك الرئيس جوزاف عون على خطين متوازيين: روحي وسياسي، لكن العنوان واحد: حماية لبنان، وتحصين الجنوب، ودفع المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية إلى الأمام. وفي توقيت بالغ الحساسية، يراهن عون على الدورين الفاتيكاني والإيطالي لتأمين غطاء أوروبي ودولي للبنان، في ظل تعقيدات إقليمية ودولية قد تنعكس على مسار المفاوضات ومستقبل الاستقرار في الجنوب.
فماذا يريد عون من زيارته إلى إيطاليا؟ وهل تنجح تحركاته في الفاتيكان وروما في تعزيز الموقف اللبناني ودفع مفاوضات الإطار نحو نتائج ملموسة؟
وفي هذا السياق، أكد مدير مركز إنشاء للمعلومات والأخبار، والأستاذ المحاضر في الفكر السياسي والعلاقات الدولية، الدكتور رائد المصري، أن زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى الفاتيكان وروما تكتسب أهمية كبيرة، نظرًا لما تمثله روما والفاتيكان على مستوى العالم المسيحي، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تأثير في الرأي العام الأوروبي والغربي والعالمي، وتجييشه وحشده باتجاه تفعيل الدبلوماسية وممارسة الضغط على إسرائيل لاستكمال انسحابها من جميع المناطق التي احتلتها.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن هذا جزء أساسي يعول عليه رئيس الجمهورية جوزاف عون والعهد الجديد، على أن يكون الطريق الدبلوماسي هو الأساس الذي يمكن أن ينجي لبنان أو يخرجه من مأزق الاحتلال، ومن مأزق العبثية التي طالته خلال حربَي الإسناد وصولًا إلى اليوم.
وأضاف المصري أن إيطاليا، حكمًا، هي اليوم دولة صاعدة على مستوى الحضور في لبنان، سواء الدبلوماسي أو المؤسساتي، ويمكن أن يكون لها حضور ودور ضمن قوى متعددة الجنسيات، حتى وإن كان ذلك عبر "اليونيفيل"، إلى جانب دول أخرى، كفرنسا وألمانيا وبريطانيا، التي أرسلت موفدًا خاصًا لهذا الموضوع.
وأشار إلى أن ذلك يعني أن رئيس الجمهورية يوسع مروحته السياسية والدبلوماسية، مستعينًا بحضور سياسي أوروبي مكثف وواسع، وأيضًا بحضور فاتيكاني ديني قوي، يمكن من خلاله تأمين مظلة حماية للبنان، في ظل انكفاء الإدارة الأميركية الحالية بسبب الانشغال بانتخابات الكونغرس الأميركي، وكذلك بسبب اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، ما قد يدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى التصعيد عسكريًا ضد لبنان، وإلحاق مزيد من التدمير والقتل والتهجير به.
وأضاف المصري أن ذلك يضعف قوة وحجة المنطق الذي يستند إليه العهد الجديد برئاسة عون، والقائم على أن العمل الدبلوماسي يجب أن يكون الأساس، خصوصًا أن حزب الله، ومن خلال خطاب أمينه العام الأخير الشيخ نعيم قاسم، الذي رفض فيه بشكل كامل أي مسار دبلوماسي أو اتفاق إطار، بدأ يستعد للإطاحة نهائيًا بأي مفاوضات أو اتفاق إطار على مختلف المستويات، وربط لبنان مجددًا بالملف الإيراني، الذي هو أيضًا، بطبيعة الحال، متعثر.
لذلك، اعتبر أن نجاح رئيس الجمهورية اليوم يعتمد على السباق الدبلوماسي الذي يخوضه من أجل حماية لبنان، وعلى أن يستظل لبنان بموقف عربي وغربي ودولي داعم له في هذه المفاوضات، لمنع نتنياهو من التفرد بلبنان، في ظل الانشغال العام اليوم بالانتخابات في تركيا وروسيا والولايات المتحدة.
وأعرب المصري عن اعتقاده بأن هذه التحركات يمكن أن تفضي إلى نتائج مهمة في الفاتيكان وروما، وأن تعطي دفعًا لمسار المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، إلا إذا كان هناك تعنت كبير جدًا من جانب نتنياهو، الذي يجري حساباته على أساس الداخل الإسرائيلي، وهي حسابات لا تصب، في كل الأحوال، في مصلحته، بل في مصلحة غادي آيزنكوت.
وأشار المصري إلى أن تجربة غزة شكلت نموذجًا واضحًا على صعوبة الوصول إلى نتائج حاسمة، إذ لم تفض زيارة المبعوث الأميركي جاريد كوشنر إلى خواتيم مهمة كما كان يطلب الجانب الأميركي. وأمام واقع صعب وتوقيت بالغ الدقة، تبرز أهمية زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون في تفعيل مسار العمل الدبلوماسي المكثف، بهدف الضغط على إسرائيل وحماية لبنان في هذه المرحلة بالتحديد، والحؤول دون تعثر المنجز الدبلوماسي المتمثل في السعي إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي عبر مفاوضات الإطار.
وفي الخلاصة، يقف الرئيس عون أمام سباق دبلوماسي مع الوقت: إما أن تتحول جولة الفاتيكان وروما إلى غطاء دولي يثبت المفاوضات ويحمي لبنان، وإما أن تسبق التطورات الميدانية كل المساعي السياسية. فهل تنجح الدبلوماسية اللبنانية في فرض نفسها خيارًا يحمي لبنان ويمنع انهيار مسار التفاوض؟