مع تجدد الضربات الإسرائيلية في الجنوب وارتفاع منسوب التهديدات والتصعيد الميداني والكلامي، سواء من الجانب الإسرائيلي أو الأميركي، عاد القلق من احتمال انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع، وهو ما تجلّى في موجة النزوح التي أعقبت الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، وسط مخاوف من أن يتحول التصعيد المتواصل إلى واقع أكثر خطورة.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه مؤشرات القلق من توسّع المواجهة، مع ما يُقال عن طلب حزب الله من بيئته البقاء في جهوزية تامة تحسبا لأي عمليات إخلاء، بالتوازي مع حديث إسرائيلي عن إمكان العودة إلى الحرب، وتصاعد الدعوات داخل إسرائيل لتوسيع الضربات وصولا إلى بيروت. ومع استمرار الضربات في الجنوب، لا سيما بعد التطورات الأخيرة واستمرار الجدل في ما يخص تلة علي الطاهر يجدد الشارع تساؤلاته حول مدى توسع التصعيد؟ وفيما إذا كانت الضربات الإسرائيلية المتواصلة ستبقى ضمن حدودها الحالية، أم أنها قد تتطور إلى مواجهة أوسع تعيد شبح الحرب إلى الواجهة؟
في هذا السياق، أكد رئيس تحرير موقع "جنوبية" الصحافي علي الأمين أن التصعيد الذي شهده الجنوب في 15 آب، مع العمليات التي نُفذت في دير الزهراني وأنصار، أظهرت إمكان دخول الإسرائيلي إلى مناطق جديدة، إضافة إلى تدخله في علي الطاهر، قبل أن تتراجع حدة التصعيد. ورأى أن لبنان ليس أمام تصعيد كبير في المرحلة الراهنة، معتبرا أن المطلوب إسرائيليا وأميركيا، بدرجة أولى، هو عدم ذهاب الأمور نحو تصعيد واسع، لاعتبارات تتعلق بالمفاوضات مع لبنان، وأخرى مرتبطة بما يجري مع إيران.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن إسرائيل تثبت يوما بعد يوم أنها صاحبة اليد العليا، وقادرة على تنفيذ عمليات بوتيرة عالية، كما حصل في أنصار ودير الزهراني، إضافة إلى القصف المستمر على مرتفعات علي الطاهر والمنصوري وغيرها، فضلا عن إمكان تنفيذ عمليات اغتيال، معتبرا أن اللافت في هذه العمليات، التي لم تكن مسبوقة بعد وقف إطلاق النار في حزيران، أنها تأتي لتؤكد إسرائيل من خلالها قدرتها على التحرك بحرية وأنها صاحبة اليد العليا في هذا الموضوع.
وأوضح الأمين أن الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، لا تريد أي عملية إسرائيلية واسعة وكبيرة، لأن ذلك سيعني، برأيه، نهاية مسار المفاوضات وسقوط مبرر استمراره، معتبرا أن واشنطن لا تريد للأمور أن تتجه نحو تصعيد واسع، وإنما نحو عمليات محدودة تندرج في إطار ما تسميه إسرائيل عمليات استباقية للدفاع عن النفس أو مواجهة مخاطر تعتبر أنها تتشكل ضدها. وتحدث عن أن هذا المنطق الإسرائيلي يحظى بتغطية أميركية.
ولفت إلى أن احتمال حصول تصعيد يبقى واردا، وأن الناس يعيشون حالة من القلق في ظل القصف والضربات الإسرائيلية اليومية. وينعكس ذلك، بحسب رأيه، على سكان جنوب الليطاني، لا سيما المناطق الملاصقة لمنطقة الصفرا، الذين يعيشون حالة من التردد بين البقاء في منازلهم أو الرحيل، لأن الأمور يمكن أن تنقلب في أي لحظة وتعود المواجهة.
وفي ما يتعلق بتحذيرات حزب الله أو الطلب من بيئته البقاء في حالة جهوزية، رأى الأمين أن ذلك ناشئ عن احتمال انفجار الوضع، لكنه قد يرتبط أيضا بمسألة أخرى، إذ إن دعوة الناس إلى الاستقرار والهدوء قد تضع الحزب أمام مطالب إضافية مرتبطة بملف التعويضات، لافتا إلى أن الحزب يريد أيضا تفادي الصدام مع الناس في هذا الموضوع، خصوصا وأنه لا يقوم، بحسب رأيه، بما كان الناس يتوقعون أن يقوم به من دفع تعويضات أو تأمين إيواء أو مساعدات توفر لهم الحد المعقول من القدرة على الاستمرار في الإقامة.
واعتبر أن إسرائيل ليست أمام أزمة حقيقية في موضوع التفاوض، بمعنى أنها ذهبت إلى التفاوض مرغمة ولم تكن هي من اختار مساره، موضحا أن لبنان هو من طالب بالتفاوض والحل، ولذلك فإن إسرائيل، برأيه، ليست مهتمة كثيرا، بل تستثمر كل ما يقوم به حزب الله لتظهير أنه يبرر لها الخروج عن مسار التفاوض، من خلال الإشارة إلى مسألة سلاح حزب الله ومحور السلاح.
وأشار الأمين إلى أن إسرائيل، في الوقت نفسه، تعيش حالة من الاستقرار، وأن وضع سكان الشمال الإسرائيلي في أفضل حالاته، إذ عادت الحياة الاقتصادية والمدارس والزراعة، ولم تعد هناك رصاصات تتجه إلى شمال إسرائيل، لافتا إلى أن أقصى ما يصدر هو بيان إسرائيلي أو عن الجيش الإسرائيلي يحذر السكان من أن إسرائيل ستضرب مناطق في الجنوب وأن هناك أصواتا قد تؤذيهم، من دون أن يُطلب منهم النزول إلى الملاجئ كما كان يحصل سابقا.
ورأى أن إسرائيل، من خلال سلوكها العسكري الحالي والاعتداءات المستمرة والسيطرة العسكرية التي تمارسها في الجنوب، تعتبر أنها توفر الأمن لشمال إسرائيل، لافتا إلى أن حزب الله لم يرد على الاعتداءات الإسرائيلية، بما فيها اغتيال قياداته، ولم ينفذ أي عملية أو يطلق أي رصاصة باتجاه شمال إسرائيل.
واعتبر الأمين هذا الواقع يدفع إسرائيل إلى الاستمرار في سلوكها الحالي، والاستثمار في فكرة أن حزب الله لا يزال يُعد نفسه، وبالتالي فإنها معنية، وفق روايتها، بالقيام بأدوار عسكرية في مواجهة ما تعتبره خطرا من جانب الحزب.
وفي قراءة للمشهد الإسرائيلي، قال إن الداخل الإسرائيلي مهتم بإيران أكثر مما هو مهتم بلبنان، وإن الإسرائيليين، سواء الجيش أو الرأي العام، يعتبرون أن لبنان يمثل مشاكل وتحديات، لكن إسرائيل صاحبة اليد العليا فيه وتستطيع أن تقوم بما تريد، وبالتالي فإن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى الإسرائيليين، برأيه، مرتبطة بإيران، وبما حققه بنيامين نتنياهو مما وعد به بشأنها.
وأوضح الأمين أن إيران لا تزال موجودة، والمخاطر على إسرائيل من داخل إيران لا تزال قائمة، ولذلك فإن العين الإسرائيلية تتجه إلى إيران. أما لبنان، فأصبح، بحسب الأمين، ملفا هامشيا في الاستراتيجية الإسرائيلية أكثر منه ملفا أساسيا إذا ما قورن بالموضوع الإيراني، خصوصا وأن الوضع في لبنان يسمح لإسرائيل بالتحرك بحرية شبه كاملة وتنفيذ أي عمل عسكري تريده.
واعتبر أن هذا الواقع هو ما كانت إسرائيل تطمح إليه، أكثر من الدخول في مفاوضات واتفاقيات تقيّدها بقواعد معينة. وقال إن سلاح حزب الله يوفر لإسرائيل الذريعة، ويتيح لها الاستثمار في فكرة أن الحزب يستعد لقتالها، من أجل تنفيذ المزيد من الاعتداءات والقصف والتدمير والتجريف، وفرض واقع ميداني يمكن استثماره لاحقا في حسابات أخرى.
ورأى الأمين أن الأسئلة حول ما بعد لا تزال كثيرة، ومنها ما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى ضم مناطق أو إلى منع السكان من العودة بشكل نهائي، لافتا إلى أن إسرائيل تستفيد من الوقت الحالي لفرض وتحقيق معطيات جديدة على الأرض، بما يتيح لها لاحقا فرض شروط وقواعد قد لا تكون معروفة اليوم، لكنها ستنكشف في المرحلة المقبلة.
في الخلاصة، تبقى مسألة سلاح حزب الله في صلب الحسابات الإسرائيلية، فيما يعكس القلق في البيئة الجنوبية والخوف من الإخلاء حجم الهواجس من عودة التصعيد. ومع استمرار الضربات والجدل حول تلة علي الطاهر، تبدو إسرائيل مستمرة في الضغط وفرض وقائع جديدة على الأرض، ما يبقي احتمال توسّع المواجهة قائما ويجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على أكثر من احتمال.