فيما لم تفض الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل إلى نتيجة تحسم ملف الانسحاب الإسرائيلي، تواصل القوات الإسرائيلية عمليات الهدم والجرف في عدد من القرى والبلدات الجنوبية، بالتوازي مع تحركات أميركية للتواصل مع الطرفين بهدف تثبيت وقف إطلاق النار ودفع المسار التفاوضي، في وقت لم يحدد بعد أي موعد للجولة الجديدة.
وبينما يتمسك لبنان بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي المحتلة، ويسعى إلى وضع جدول زمني للانسحاب وتوسيع المناطق التجريبية، تربط إسرائيل أي انسحاب إضافي بمسار نزع سلاح حزب الله. فهل ينجح لبنان في فرض جدول زمني لانسحاب إسرائيل وتوسيع المناطق التجريبية، وهل سيتمكن الأهالي من العودة إلى قراهم، خصوصا وأن حجم الدمار جعل عددا منها غير قابل للسكن؟
في هذا السياق، أكد مدير مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية والكاتب السياسي يوسف مرتضى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو وشركائه وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير تحاول استخدام عملياتها العسكرية في جنوب لبنان والتصريحات المتتالية بشأن عدم الانسحاب من المنطقة الأمنية لتوظيفها في الانتخابات المقبلة، مشيرا إلى أن انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول المقبل تشكل عاملا أساسيا في هذا السياق.
ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن الحكومة الإسرائيلية تحاول توظيف عملياتها العسكرية والتصريحات بشأن استمرار وجودها في المنطقة الأمنية في الانتخابات، معتبرا أن عمليات الهدم والتجريف تأتي أيضا في هذا الإطار، على الرغم من الضغوط الأميركية على إسرائيل، إذ تسعى الحكومة إلى تقديم هذه العمليات على أنها انتصارات يمكن توظيفها انتخابيا.
وفي المقابل، أوضح مرتضى أن لبنان يحرص في المفاوضات على الاستفادة من الضغط الأميركي والضغط الغربي على إسرائيل لإجبارها على الانسحاب من الأراضي المحتلة، مشيرا إلى أن أول تجربة للمناطق التجريبية في منطقة زوطر الغربية، حصلت مع وجود ضغط جدي من أجل توسيع هذه الفكرة لتشمل بلدات ومدنا أخرى. ولفت إلى أن رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الجمهورية جوزاف عون يصرحان تباعا بأنهما متعهدان بمتابعة هذا الموضوع حتى انسحاب آخر جندي من الأراضي اللبنانية، موضحا أن البحث يتجه أيضا إلى طرح موضوع جدولة زمنية للانسحاب خلال أي اجتماع مقبل ثلاثي أميركي – إسرائيلي - لبناني.
ورأى أن مواكبة الانسحاب تتطلب أيضا تسريع عودة الأهالي إلى بيوتهم وأراضيهم، وهو ما تعمل عليه الدولة ضمن قدراتها المالية، من خلال إعادة تأهيل البنى التحتية، من كهرباء ومياه وطرقات واتصالات، متوقفا عند ما يجري في زوطر الغربية، خصوصا بالنسبة إلى الأهالي الذين فقدوا منازلهم. وأوضح أن الدولة تعمل على تأمين حلول انتقالية إلى حين إعادة البناء، من خلال تأمين بيوت جاهزة حُجزت في تركيا، مشيرا إلى أن العدد يتراوح بين 120 ألفا و150 ألف بيت، مخصصة للبلدات التي تهدمت فيها المنازل بالكامل، كمرحلة انتقالية إلى حين تأمين التمويل لإعادة البناء بشكل كامل.
أما على مستوى المفاوضات، فاعتبر مرتضى أن الدولة اللبنانية تملك أوراقها الشرعية، وهي صاحبة القرار في المفاوضات، ويجب أن تتحول إلى صاحبة القرار في الحرب والسلام، مشددا على أن المطلوب فعليا من حزب الله أن يستجيب لمصلحة اللبنانيين ولمصلحة ما تطرحه الحكومة اللبنانية. وأشار إلى أن ما يطرحه الحزب يتقاطع مع ما تشترطه الحكومة، من وقف إطلاق نار شامل وثابت، وانسحاب إسرائيلي من كل الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة النازحين وإعادة البناء، وتحرير الأسرى.
وفي هذا الإطار، قال إن حزب الله مدعو إلى مجاراة موقف السلطة التي تحاول عبر المفاوضات المباشرة برعاية أميركية فصل الملف اللبناني إلى حد ما عن ملف الصراع الإيراني الأميركي أو الإيراني الإسرائيلي، معتبرا أن الشرعية هي ورقة القوة الأساسية، وأنها الناطقة مع معظم الشعب اللبناني في هذا المجال. وأكد أن هذا الخيار يؤيده معظم اللبنانيين، ومن بينهم رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يتحدث باسم الثنائي الشيعي، فيما تتحرك الحكومة اللبنانية والرئيس جوزاف عون في هذا الاتجاه بالاتفاق مع بري، متحدثا عن أن هذا التوافق يشكل أيضا إحدى أوراق القوة التي تدعم خيار السلطة في المفاوضات، ويمكن أن تساعد في تحقيق الأهداف المطروحة.
وفي موازاة ذلك، شدد مرتضى على أهمية الضمان الأميركي والغربي، معتبرا أن الضمان الأميركي لا يرتبط فقط بمصلحة اللبنانيين، بل يأتي أيضا ضمن استراتيجية واشنطن للاستقرار في المنطقة. وأوضح أن المصلحة الأميركية في الاستقرار تتقاطع مع مصلحة لبنان في الاستقرار وانسحاب إسرائيل ووقف الحرب، إلا أن ذلك يأتي في إطار شروط مرتبطة بالهيمنة الأميركية على المنطقة، لافتا إلى أن تقاطع هذه المصالح يشكل جزءا من موازين القوى التي يمكن أن تصب في مصلحة لبنان خلال المرحلة المقبلة.
ومع استمرار إسرائيل في هذا النهج، يبدو أن الجنوب أمام مرحلة صعبة ودقيقة، فيما تصبح عودة الأهالي أكثر صعوبة، خصوصا في ظل تمسك كل طرف بشروطه وعدم قدرة المفاوضات حتى الآن على الوصول إلى نتيجة واضحة تنهي هذا المسار وتفتح الطريق أمام عودة الأهالي وإعادة الحياة إلى القرى المتضررة.