August 17, 2026   Beirut  °C
سياسة

مصادر وزارة الطاقة عبر "بالعربي": مضاعفة الإنتاج هي الحل.. وما عدا ذلك "ترقيع" لأزمة الكهرباء

أزمات متلاحقة تضرب قطاع الكهرباء في لبنان، فالمشكلة ليست وليدة اللحظة، إنما هي تراكمات مزمنة تتفاقم مع كل أزمة جديدة. ومع ارتفاع أسعار المحروقات عالميا بفعل الحرب والاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، تزداد الضغوط على مؤسسة كهرباء لبنان، في وقت يعاني فيه القطاع أصلا من ضعف القدرة الإنتاجية وتراجع الموارد المالية.

وبينما تحذر المؤسسة من تداعيات الوضع الحالي، تتكرر المخاوف من العتمة مع كل صيف، في ظل حلول موقتة لا تعالج أصل المشكلة. فهل يكمن المخرج في تأمين المحروقات وتجاوز الأزمة الراهنة، أم أن الحل الفعلي يبدأ من زيادة الإنتاج وإعادة بناء قطاع الكهرباء على أسس مستدامة؟

على ضوء ذلك، أكدت مصادر من وزارة الطاقة عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن المشكلة الأساسية في قطاع الكهرباء لا تقتصر على نقص الفيول، بل تتمثل في الفجوة الكبيرة بين الحاجة إلى الطاقة والقدرة الإنتاجية المتوافرة، مشيرة إلى أن المعامل القائمة اليوم، حتى في أفضل أحوالها، لا تنتج سوى نحو ثلث حاجة لبنان. وأوضحت أن الحل الأساسي يكمن في إنشاء معامل حديثة تعمل على الغاز، إذ يحتاج لبنان إلى معمل أو معملين، بكلفة تقارب مليار دولار للمعمل الواحد، لافتة إلى أن التواصل مع المستثمرين حصل بالفعل، وأنهم تقاطعوا على شرطين أساسيين للاستثمار، هما تأمين ضمانات مالية وضمانات أمنية.


وأشارت إلى أن وزارة الطاقة ووزارة المال تعملان بالتواصل مع البنك الدولي على تأمين الضمانات المالية، فيما تبقى المعضلة الأساسية في الضمانات الأمنية، إذ إن المستثمرين لا يأتون إلى بلد يعيش حروبا مستدامة. وفي موازاة ذلك، يجب العمل على تفعيل الطاقة النظيفة والطاقة الشمسية، خصوصا وأن إنشاء الهيئة الناظمة، الذي تأخر نحو 23 عاما، يسهل إصدار تراخيص الطاقة الشمسية باعتبارها من صلاحياتها، وقد بدأت عمليا خطوات لتشجيع هذا القطاع.


ولفتت المصادر إلى أن 11 إجازة للطاقة الشمسية منحت في العام 2022 من دون تفعيل، قبل أن يجمع وزير الطاقة والمياه جو الصدي أصحابها ويبدأ عمليا بتفعيل خمس أو ست منها، فيما أعطي أصحاب الإجازات المتبقية مهلة زمنية لبيعها إلى مستثمرين آخرين في حال عجز حاملوها عن تأمين التمويل اللازم لتفعيلها.


وفي ما يتعلق بالأزمة الحالية، أوضحت أن الحرب القائمة وحصار هرمز أحدثا خللا كبيرا في الأسواق النفطية العالمية، ما رفع كلفة الإنتاج وانعكس على قدرة مؤسسة كهرباء لبنان، مشيرة إلى أن الوزير جو الصدي، منذ توليه مهامه، أصر على وقف الاستدانة ووقف ما وصفته بـ "بدعة السلف"، التي كانت تستخدم لشراء المازوت من دون أن تسدد فعليا، ومن دون تحقيق فائدة إنتاجية مباشرة.


وقالت المصادر إن لبنان كان متخلفا أيضا عن سداد مستحقاته للعراق، ما رتب نحو مليار ومئتي مليون دولار لصالحه، وكان هذا الواقع من الملفات التي تسلمها الصدي عند وصوله إلى الوزارة. ومع تفعيل مؤسسة كهرباء لبنان للجباية وبدء شراء المحروقات اللازمة من إيراداتها، وصلت التغذية في شباط الماضي إلى ما بين سبع وتسع ساعات، إلا أن اندلاع الحرب وارتفاع أسعار براميل النفط، إضافة إلى الإعفاءات التي منحت للجنوب، وإن كانت محقة، انعكست على قدرة المؤسسة، باعتبار أن هذه الإعفاءات صدرت بقرار من الدولة ومن حساب مؤسسة كهرباء لبنان، مشددة على أن المطلوب من الدولة أن تسدد أي إعفاء تقرره، إذ لا قدرة لمؤسسة كهرباء لبنان، كما مؤسسة المياه أو مؤسسة الاتصالات، على تحمل كلفة إعفاءات تقررها الدولة من دون أن تؤمن تمويلها.


وبيّنت أن أزمة الكهرباء ليست أزمة تتكرر كل صيف، بل أزمة موروثة، مشيرة إلى أن الوزير الصدي يعمل على سبعة محاور لتفعيل القطاع، من بينها الطاقة النظيفة وتنويع مصادر التغذية عبر الربط الكهربائي. وفي هذا السياق، تعمل الوزارة على الربط مع الأردن وسوريا، فيما تقوم بدراسات بشأن إمكان الربط مع تركيا وقبرص، بانتظار دراسات الجدوى الاقتصادية للتأكد من مدى جدوى مد كابل بحري بين لبنان وقبرص، فيما يُبحث بخيار الربط مع تركيا عبر البر وعلى الساحل، مرورا بالساحل السوري وصولا إلى لبنان.


وبالتوازي شرحت المصادر أنه يُعمل على إعادة النظر في تركيبة قطاع الكهرباء وفكفكته إلى ثلاث مراحل: الإنتاج والنقل والتوزيع، بحيث يبقى النقل كليا على عاتق مؤسسة كهرباء لبنان، بينما يمكن للقطاع الخاص الدخول إلى مجالي الإنتاج والتوزيع، متحدثة إلى دراسة أعدت بين البنك الدولي والهيئة الناظمة للانتقال إلى مقاربة جديدة في التوزيع، قد تكون شبيهة إلى حد ما، وليس كليا، بنموذج زحلة، بحيث تباع الكهرباء لشركات تتولى بدورها الاهتمام بالشبكات والجباية والصيانة. واعتبرت أن اللامركزية في التوزيع قد تساهم في معالجة الهدر غير التقني، أي السرقة، إضافة إلى التأخر والروتين الإداري في أعمال الصيانة.


وفي ما يتعلق بالقدرة المالية لمؤسسة كهرباء لبنان، كشفت أن قدرتها الشرائية من إيرادات الجباية كانت قبل اندلاع حرب آذار أعلى بكثير مما هي عليه اليوم نتيجة الخلل الذي طرأ على الأسواق النفطية، معتبرة أن هذا الخلل لا تتحمل مسؤوليته مؤسسة أو لبنان وحده، بل هو خلل عالمي تعاني منه دول عدة.


ونوهت المصادر إلى أنه خلال جلسة حزيران، وبعد عرض وزير الطاقة للواقع القائم، طرح اعتماد تعرفة كهرباء متحركة وغير جامدة، إلا أن الحكومة فضلت عدم تعديل التعرفة، فاتجهت إلى حل موقت حتى نهاية الصيف ومطلع الخريف، يقوم على تسديد الدولة والمؤسسات العامة والمديريات مستحقاتها لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان. وبحسب المصادر، بلغت هذه المستحقات حتى كانون الأول الماضي نحو 250 مليون دولار، على أن تسدد وفق آلية تقسيط بقيمة 50 مليون دولار شهريا، بما يؤمن السيولة اللازمة لشراء المزيد من المحروقات وبالتالي رفع ساعات التغذية.


وأكدت أن الوزير الصدي لم يعط منذ اللحظة الأولى أي وعد بعدد محدد لساعات التغذية، انطلاقا من رؤية واضحة بأن أي معالجة من دون زيادة القدرة الإنتاجية ستبقى موقتة وبمثابة "ترقيع"، مشددة على أن الحل المستدام يبدأ بإنشاء معامل جديدة تعمل على الغاز ورفع القدرة الإنتاجية إلى نحو ضعف مستواها الحالي.


في المحصلة، أزمة الكهرباء في لبنان لن تحل بالمعالجات الآنية، خصوصا في ظل التوترات الإقليمية والصراع على منافذ الطاقة، هذا عن التصعيد المستمر في الجنوب، وهي عوامل تزيد الضغوط على مؤسسة كهرباء لبنان وتحد من قدرتها على معالجة الأزمة. وطالما تستمر الإجراءات الموقتة من دون حلول جذرية، ستبقى المعاناة قائمة وتتجدد مع كل أزمة.