بين حديث السفير الأميركي من عين التينة، الجمعة، الذي ربط نزع سلاح حزب الله باعتباره شرطا أساسيا لوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، وبين التصعيد العسكري الإسرائيلي الكبير فجر السبت، والذي طال مناطق عدة في جنوب لبنان وأدى إلى سقوط عشرات الضحايا ونزوح كثيف باتجاه صيدا وجوارها، يبرز السؤال حول ما إذا كانت تل أبيب قد تلقت ضوءا أخضر من واشنطن لتوسيع عملياتها العسكرية في لبنان، لا سيما بعد الإعلان عن موافقة المستوى السياسي في إسرائيل على البدء بعملية عسكرية في تلة علي الطاهر.
وفيما رفع الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم سقف المواجهة في خطابه الأخير، مجددا رفض حزبه تسليم سلاحه، في ما بدا ردا مباشرا على الولايات المتحدة والحكومة اللبنانية في آن، تتجه الأنظار إلى ما ستشهده الساحة الجنوبية من تطورات ميدانية وعسكرية، في ظل مؤشرات تنذر بانفلات الوضع مجددا والانزلاق نحو جولة ثالثة من الحرب بين إسرائيل وحزب الله.
وفي قراءة لمآلات الأوضاع على الساحة الجنوبية خصوصا واللبنانية عموما، رأى النائب السابق مصطفى علوش أن التصعيد الإسرائيلي الواسع الذي شهده جنوب لبنان منذ فجر السبت، يأتي في سياق إقليمي متوتر ومستمر، في ظل غياب أي حلول على المستوى الإقليمي، رابطا، في الوقت نفسه، بين هذا التصعيد وبين الموقف الأميركي الذي عبر عنه السفير ميشال عيسى من عين التينة. وأوضح أن الموقف الأميركي الأخير يحمل رسالة واضحة إلى لبنان وحزب الله، مفادها أن تسليم السلاح لا يمثل فقط استجابة لمطلب أميركي، بل يشكل مخرجا يمكن أن يجنب لبنان حربا مدمرة.
ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن هذا الموقف يأتي بعد سنوات من التحذيرات التي وجهت إلى حزب الله من أن التخلي عن سلاحه قد يكون السبيل إلى حماية لبنان من حرب واسعة، إلا أن هذه التحذيرات لم تلق استجابة، معتبرا أن التطور الأبرز في المرحلة الحالية يتمثل في أن الإدارة الأميركية، وللمرة الأولى، تبدو وكأنها ذاهبة بالمواجهة إلى نهايتها، بعدما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد مارس في مراحل سابقة ضغوطا على إسرائيل لمنع توسيع عملياتها العسكرية.
وأشار علوش إلى أن الرسالة التي حملها كلام السفير الأميركي تتضمن أيضا محاولة توفير مخرج سياسي لحزب الله، عبر ربط تسليم السلاح بإنقاذ لبنان وما تبقى من عناصر الحزب، لا سيما العناصر الموجودة ضمن مناطق محاصرة، معربا عن عدم تفاؤله بأن يبادر الحزب إلى التجاوب مع هذه الرسالة، خصوصا وأن الموقف الأميركي جاء مترافقا مع تصعيد إقليمي واسع، الأمر الذي، بحسب رأيه، يعزز احتمال توجه حزب الله إلى خوض مواجهة مفتوحة.
وفي ما يتعلق بالتصعيد الإسرائيلي في الجنوب، لا سيما التطورات المرتبطة بمنطقة علي الطاهر، أكد أن إسرائيل لم تكن تحتاج إلى الكثير للانتقال إلى عملية عسكرية مدمرة، مشيرا إلى أن ما حال دون ذلك في الفترة الماضية كان، من جهة، الرغبة اللبنانية في تجنب توسيع المعركة، ومن جهة أخرى، الضغوط الأميركية التي مارسها الرئيس دونالد ترامب في أكثر من مناسبة لمنع إسرائيل من تطوير عملياتها.
ورأى علوش أن المعطيات تبدلت في المرحلة الأخيرة، وأن الولايات المتحدة ربما تكون قد أعطت إسرائيل الضوء الأخضر لتوسيع عملياتها في لبنان، مشيرا، في الوقت نفسه، إلى احتمال وجود ضوء أخضر آخر على المستوى الميداني يسمح لإسرائيل بالذهاب أبعد في عملياتها نحو مضيق هرمز.
وعن جدوى استمرار المفاوضات في ظل تمسك حزب الله بموقفه الرافض لتسليم السلاح، بعد تأكيد الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم هذا الموقف في خطابه الأخير، قال إن المفاوضات القائمة ضمن الإطار القائم قد لا تكون مرتبطة بشكل مباشر بمسألة تسليم السلاح، بل يمكن أن تستمر باعتبارها مسارا ضروريا بغض النظر عن التطورات العسكرية الحالية، محذرا من أن احتمال انفلات الأمور بات قائما، وصولا إلى جولة ثالثة من الحرب الواسعة على لبنان، لكنه استبعد أن تكون المواجهة المقبلة، في حال اندلاعها، حربا بالمعنى التقليدي. واعتبر أن الفارق في القدرات العسكرية بين إسرائيل وحزب الله بات كبيرا، وأن قدرات الحزب الحالية لم تعد تسمح له بخوض حرب واسعة كما في السابق.
ورأى علوش أن لبنان قد يجد نفسه، في حال استمرار تعنت حزب الله، في موقع أضعف على المستويين السياسي والعسكري، مؤكدا أن المفاوضات ستبقى، على الرغم من ذلك، المسار الوحيد المتاح أمام الدولة اللبنانية بعد انتهاء التصعيد والحرب، على أن تستمر برعاية أميركية، بما يسمح للبنان، عند استقرار الوضع العسكري، بالمطالبة باستعادة أراضيه، وإعادة إعمار ما تهدم، وتأمين عودة النازحين إلى منازلهم.
وعن احتمال انتقال الاستهداف الإسرائيلي مجددا إلى بيروت والضاحية الجنوبية، قال إن هذا الاحتمال لا يمكن تأكيده في الوقت الراهن، لكنه ليس مستبعدا، معتبرا أن خيار استهداف هذه المناطق موجود في الحسابات الإسرائيلية. ورأى أن حزب الله لا يبدو أنه يأخذ هذه الاحتمالات في الاعتبار، إذ إن إصراره على رفض تسليم السلاح يعكس، بحسب علوش، اعتقاده بأنه يخوض مواجهة مصيرية تتصل بوجوده ومستقبله، وهو ما يجعل هامش التسوية أضيق، ويزيد مخاطر انزلاق لبنان إلى مواجهة عسكرية أوسع.
وبين الرسائل الأميركية التي تفتح بابا أمام تسليم السلاح، والتصعيد الإسرائيلي المتسارع على الأرض، يبدو لبنان أمام مفترق بالغ الخطورة: فإما أن تفضي المفاوضات إلى مخرج يجنب البلاد حربا جديدة، وإما أن يؤدي استمرار التعنت والتصعيد إلى انفلات ميداني قد يفتح الباب أمام جولة ثالثة، لا تبدو كلفتها هذه المرة محصورة بالجنوب وحده.