أما وقد بانت الأمور بوضوح ومن دون مواربة، وكشفت مجريات ما حدث خلال الجلسة النيابية المخصصة لقانون العفو العام المستور، فلم يعد السؤال عن أسباب الخطوة التي أقدم عليها وزير الدفاع ميشال منسى، بقدر ما أصبح عن الأهداف المقبلة لمن يقف خلفه ويحركه ويدعمه، ولا سيما في استهداف مقام الرئاسة الثالثة، الذي يمثله رئيس الحكومة نواف سلام، ومحاولة دفعه إلى مواجهة مباشرة مع الجيش.
ولم يكتفِ منسى برمي قنبلته الصوتية في قاعة البرلمان، بل ذهب أبعد في تأجيج الأمور، عبر غيابه عن جلسة مجلس الوزراء الخميس، واستعاض عن حضوره بزيارة إلى مقر وزارة الدفاع ولقاء قائد الجيش العماد رودولف هيكل، حيث وجه من هناك اعتذارًا إلى أهالي شهداء الجيش، قائلًا إن المؤسسة العسكرية ليست طرفًا في خصومة، ولا ورقة تستخدم وترمى.
لكن عن أي شهداء يتحدث وزير الدفاع؟ وهل يشمل اعتذاره النقيب سامر حنا وعشرات الشهداء الذين سقطوا في مواجهات الجيش مع تجار المخدرات في البقاع الشمالي، فضلًا عن العسكريين الذين سقطوا جراء استهداف ثكنات الجيش وحواجزه في تلك المنطقة؟ أم يشمل مئات العسكريين الذين سقطوا في مواجهة نظام حافظ الأسد، بعدما تركهم ميشال عون لمصيرهم في 13 تشرين الأول 1990، وفر من بعبدا إلى السفارة الفرنسية؟
كان الأجدى بوزير الدفاع أن يضع مصلحة الوطن، الذي يفترض أن يكون مدافعًا عنه بحكم موقعه، فوق كل اعتبار، وأن يحفظ للجيش دماء جميع شهدائه، لا أن يحول وجع أهاليهم إلى مادة في سجال سياسي. لكن يبدو أن الاعتبارات السياسية ومصلحة من يتبعهم تأتي في سلم أولوياته، فيما يجري دفع الجيش إلى قلب الاشتباك السياسي، واستهداف رئاسة الحكومة تحت عنوان الدفاع عن المؤسسة العسكرية.
وفي هذا الإطار، شن رئيس المركز اللبناني العربي للشؤون السياسية، الدكتور زياد العجوز، هجومًا على وزير الدفاع ميشال منسى ومطلقي الحملات التي تستهدف رئيس الحكومة نواف سلام، معتبرًا أن غياب وزير الدفاع عن جلسة الحكومة، واستعاضته عن حضوره بزيارة إلى وزارة الدفاع وإطلاقه اعتذارًا من هناك إلى أهالي العسكريين، أسقط القناع عن وجهه الحقيقي وعن داعميه، الذين يريدون استمرار الضغط بكل الوسائل على الدولة اللبنانية، بكل مفاصلها، وعلى أكبر مكون أساسي، وهو الطائفة السنية ومراكزها ومقوماتها.
وأوضح عبر منصة "بالعربي" أنه، وفقًا للقانون وليس الأعراف، يحق لرئيس الحكومة أن يحدد من يتكلم باسم الحكومة، سواء في مجلس النواب أو غيره، رافضًا ما وصفه بالمتاجرة بقضية الجيش وتصوير فئة محددة على أنها وحدها تدافع عنه، وكأن الجيش ملك لها، وكأن دماء العسكريين الذين سقطوا على مر السنوات ملك لها، يجري الاتجار بها واستخدامها ذريعة لتقويض دور الطائفة السنية، الذي اعتبر أنه استعاد موقعه مع عودة هيبة رئاسة الحكومة بوجود الرئيس نواف سلام.
وأضاف أن المستهدف ليس فقط الرئيس نواف سلام، بل مقام رئاسة الحكومة، أكبر مقام رسمي سني في لبنان، واضعًا ما يجري في سياق ما وصفه بالعنصرية التي يستمر فيها التيار الوطني الحر وأعوانه، ممن يسعون، عبر تحالفاتهم مع حزب الله، إلى استهداف الطائفة السنية، مذكرًا بأن نحو نصف عناصر الجيش اللبناني هم من أبناء هذه الطائفة.
وفي هذا السياق، دعا العجوز وزير الدفاع إلى فتح ملف عبرا بكامله إذا كان يريد الحديث عن دماء الجيش اللبناني، معتبرًا أن ما جرى في ملف الموقوفين ليس عفوًا عامًا، بل عملية تقنية لإعادة تحديد الأحكام وجدولة تواريخها وعدد سنواتها.
وقال إن استغلال هذا الموقف يستهدف أهل السنة، وتحديدًا ملف الشيخ أحمد الأسير، الذي أصبح، بحسب تعبيره، رمزية لمظلومية أهل السنة، متهمًا حزب الله بالتورط في أحداث عبرا. وقال إن محامي الشيخ أحمد الأسير يمتلكون الوثائق والفيديوهات والتسجيلات التي تؤكد، بحسب قوله، أن حزب الله هو الذي ورط الجيش، وهو الذي أطلق الرصاص واستهدف الجيش اللبناني في عبرا، واستهدف الشيخ أحمد الأسير. وأضاف أن الأسير، قبل معركة عبرا، ظهر في فيديوهات وهو يقدم الورود إلى الجيش اللبناني.
واعتبر أن استغلال دماء الجيش اللبناني يهدف إلى تصوير أهل السنة وكأنهم ضد الجيش والدولة، سائلًا وزير الدفاع: هل لديه الجرأة على استهداف حزب الله وبيئة حزب الله؟ ودعا إلى فتح ملفات العسكريين الذين سقطوا في معارك الجيش مع تجار المخدرات في البقاع واستهداف ثكناته، مشيرًا إلى أن هؤلاء، بحسب قوله، من بيئة حزب الله، وأن الجيش خسر في تلك المواجهات عشرات الشهداء والجرحى.
وانتقل العجوز إلى مهاجمة الرئيس السابق ميشال عون والتيار الوطني الحر، متهمًا عون بالتسبب بمقتل مئات العسكريين عندما فرض، بحسب قوله، على الجيش اللبناني معركة غير متكافئة مع نظام حافظ الأسد، قبل أن "ينسحب ويهرب من بعبدا"، متحدثًا عن العسكريين الذين سقطوا في تلة ضهر الوحش و"الثلاث ثمانات" وغيرها. وقال لوزير الدفاع: "ابكِ على هؤلاء، ولا تبكِ على غدر حزب الله بالشيخ أحمد الأسير وبعبرا".
كما استعاد قضية النقيب سامر حنا، مشيرًا إلى أن المحكمة العسكرية حكمت على أحد عناصر حزب الله في قضية مقتله، قبل أن تتم تبرئته وإخراجه من السجن، ومذكرًا بأن ميشال عون، عندما كان رئيسًا للجمهورية، قال إن سامر حنا "لم يكن يجب أن يذهب إلى تلك المنطقة". واتهم عون وجبران باسيل و"جوقة التيار الوطني الحر وحزب الله ومن لف لفهم" بالتآمر على دماء الجيش اللبناني.
وهاجم العجوز نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب، معتبرًا أن كلامه الموجه إلى الرئيس نواف سلام، حين تساءل عما إذا كان سيمنع وزيرًا للدفاع لو كان اسمه غازي زعيتر، يحمل لغة مذهبية وطائفية وعنصرية، واصفًا بو صعب بأنه "رأس الحربة" في ما يجري. وقال: "ما حصل لا يمكن السكوت عنه، ولن نسكت عنه".
وعن الشارع السني، قال إنه "ما زال في حالة غيبوبة تامة" على المستويات الدينية والسياسية والاجتماعية، معتبرًا أن الطائفة تحتاج إلى إعادة تأهيل وإعادة تموضع حقيقي. لكنه حذر من أن هذه الحالة لن تستمر، قائلًا: "حتمًا سيصحو"، ومضيفًا: "احذروا من صحوة أهل السنة، لأننا لن نسمح ولن ننسى وسنحاسب، وكل شيء مكتوب وكل شيء مدروس"، مؤكدًا أن "الصحوة ستكون قريبة جدًا".
وفي المقابل، وجه العجوز تحية إلى القوات اللبنانية، مثمنًا موقفها خلال الجلسة الأولى لبحث قانون العفو العام، حين انسحبت من الجلسة وأسقطت النصاب، معتبرًا أنها أفشلت "قانون عفو عام مفخخًا" كان يسعى إليه الياس بو صعب وبعض النواب السنة المتحالفين معه.
وقال إن القوات اللبنانية ساهمت في تحويل ملف أحمد الأسير والموقوفين الإسلاميين من "ملف سني إلى ملف وطني بامتياز"، مشيدًا بمواقف مسؤوليها الذين دافعوا عن مظلومية الأسير والموقوفين، ومؤكدًا أن تسمية القانون بـ"العفو العام" هي "خطأ كبير جدًا".
وعليه، لا يمكن تحويل الجيش اللبناني إلى أداة في مواجهة رئاسة الحكومة، ولا يجوز لوزير الدفاع أن يجعل من دماء العسكريين منصة لتصفية الحسابات السياسية. أما محاولات التيار الوطني الحر ومن يدور في فلكه لاستعادة لغة التخويف والوصاية على الدولة، فلن تنجح في النيل من موقع رئاسة الحكومة أو من الرئيس نواف سلام، الذي يملك، بحكم الدستور، صلاحية إدارة عمل حكومته وتمثيلها. فالمؤسسة العسكرية ملك للبنان كله، ودماء شهدائها ليست ملكًا لفريق سياسي يتاجر بها متى شاء، فيما المطلوب اليوم حماية الدولة ومؤسساتها، لا دفعها إلى مزيد من الانقسام والاشتباك.