لم يقف وزير الدفاع ميشال منسى وحده في مواجهته مع رئيس الحكومة نواف سلام، إذ اصطف حزب الله وحلفاؤه إلى جانبه في الخلاف الذي بدأ حول قانون العفو العام، بعدما اتخذ منسى موقفًا منه خارج القرار الحكومي، ليتدخل سلام دفاعًا عن موقع رئاسة الحكومة وصلاحياتها، مؤكدًا أن التعبير عن موقف الحكومة من صلاحية رئيسها، ولا يحق لوزير أن يتحدث باسمها منفردًا. لكن الخلاف لم يبق محصورًا في قانون العفو، بل بدا واضحًا أن هذه الأطراف تدفع باتجاه وضع المؤسسة العسكرية في مواجهة رئيس الحكومة.
وإذا كان منسى يقدم موقفه من منطلق الحرص على الجيش، فإن هذا الطرح يفتح الباب أمام أسئلة عن مواقف سابقة طالت المؤسسة العسكرية، من قضية النقيب الشهيد سامر حنا إلى محطات أخرى شهدت تعديات على الجيش وصلاحياته. وفي المقابل، يقدم حزب الله وحلفاؤه اعتراضهم على منع منسى من الكلام باسم المؤسسة العسكرية بوصفه دفاعًا عن الجيش وحقوقه. فإذا كان هذا هو الحرص على الجيش، فلماذا لا يسلم حزب الله سلاحه للجيش؟ ولماذا لا يضع تلة علي الطاهر تحت سلطة الدولة؟ ولماذا يبقى قرار السلاح خارج إمرة الجيش والدولة؟
وفي قراءته للمشهد، أكد ناشر موقع "آراب فايلز"، الصحافي أسعد بشارة، أن ما قام به رئيس الحكومة نواف سلام ليس انتصارًا لموقع رئاسة الحكومة ولا للطائفة السنية فقط، إنما هو انتصار لدولة المؤسسات، موضحًا أن قيام وزير بأن يدعي أنه يتحدث باسم المؤسسة العسكرية، وكأن المؤسسة العسكرية طرف أو حزب سياسي، وأن يتكلم من خارج إجماع مجلس الوزراء وقرار الحكومة، هو أمر مخالف للدستور.
وقال عبر منصة "بالعربي" إن انتفاضة الرئيس نواف سلام هي انتفاضة باسم كل لبناني يريد دولة المؤسسات، ويريد إقفال ممارسات الماضي الخارجة عن الدستور، والتي تتسم بالكيدية وتفتقر إلى الحد الأدنى من الفهم لطبيعة التجربة اللبنانية والدولة اللبنانية، مركزًا على ضرورة تثبيت هذا النهج وتطبيق هذا النموذج دائمًا، فلا يسمح بأي تجاوز للدستور، ولا بأي نزعات شعبوية تترجم نفسها داخل المؤسسات.
أما في ما يتعلق بقانون العفو، فأوضح بشارة أن القانون الذي أقر في مجلس النواب حظي بأكثرية نيابية، وهذا يجب أن يحترم، داعيًا إلى أن تتوقف سياسة الكيل بمكيالين، وأن يتوقف المزايدون والشعبويون عند حدود معينة، لأن هذه الشعبوية والمزايدة هما أول ما يفقد المصداقية.
وربط هذا الموقف بما وصفه بتناقض مواقف بعض الأطراف، قائلًا إن الأطراف التي خرجت من الجلسة النيابية تناصر السلاح خارج الشرعية، وهي في الوقت نفسه سكتت عن الاعتداء على ضباط الجيش اللبناني، وفي طليعتهم النقيب سامر حنا، فيما هي اليوم تحاضر في الدفاع عن الجيش. وأضاف أن هذه الممارسة لا يجب أن تسمح بها المؤسسة العسكرية، لأنها تضعها طرفًا في وجه طرف آخر، معتبرًا أن ما حصل كان ممارسة خطيرة، لافتًا إلى أن حزم الرئيس نواف سلام قطع جذورها في المهد.
وفي قراءة لما يراه مطلوبًا من المؤسسة العسكرية والدولة، أكد أن المطلوب هو أن يكون الجيش اللبناني الوحيد على الأرض. وشدد على أن هذا الأمر يجب أن يكون قاعدة ثابتة، وألا تتحول المؤسسة العسكرية إلى طرف في مواجهة طرف آخر، في وقت تبقى فيه الدولة مطالبة بفرض سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.
وقال بشارة إن من اعتذر من أهالي الشهداء، الذين من حقهم أن ينال من قتل أبناءهم العقاب، عليه أن يعتذر من جميع اللبنانيين أيضًا، لأنه يجلس وراء مكتبه ويرى السلاح المتفلت ومشروع إيران في لبنان، ويتمرد على قرارات الحكومة، معتبرًا أن من يتخذ هذا الموقف لا يمكنه، في الوقت نفسه، أن يحاضر في الدفاع عن المؤسسة العسكرية أو أن يقدم نفسه حريصًا على هيبتها.
في النهاية، ما يجري اليوم يتجاوز الخلاف بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع، ليضع أمام اللبنانيين مشهدًا واضحًا بين مشروع الدولة الذي يمضي به نواف سلام لاستعادة هيبة مؤسساتها، وفي مقدمها المؤسسة العسكرية، وبين مشروع الدويلة الذي يبقي السلاح وقرار الحرب والسلم خارج سلطة الدولة. فالدفاع عن الجيش لا يكون بوضع المؤسسة العسكرية في مواجهة رئيس الحكومة، بل بحمايتها وتثبيت دورها تحت سقف الدولة وقرارها.