ضجت وسائل الإعلام اللبنانية خلال الساعات الماضية بما أوردته وكالة رويترز عن اتفاق لبناني - إسرائيلي، خلال محادثات روما الأخيرة، على ترشيح بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا كمساهمين محتملين في آلية مقترحة قد تفضي إلى نشر قوات أجنبية في لبنان للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، في مقابل نزع سلاح حزب الله.
وفي ظل غياب أي تأكيد أو نفي رسمي من الجانبين، يبرز السؤال حول ما الذي قد يميز مهام هذه القوات، في حال الاتفاق على تشكيلها، عن تلك التي تضطلع بها قوات اليونيفيل في الجنوب، ومدى قدرتها على تنفيذ مهمتها بفاعلية على الأرض في حال واجهت عرقلة أو تعقيدات، سواء من الجانب الإسرائيلي أو من قبل حزب الله.
وفي هذا الإطار، اعتبر الباحث في الشؤون الاستراتيجية، العميد المتقاعد خالد حمادة، أن الحديث عن اتفاق لبناني - إسرائيلي على ترشيح الدول الأربع للمشاركة في قوة للتحقق من نزع سلاح حزب الله لا يزال بحاجة إلى كثير من التوضيح، معتبرًا أن ما يتم تداوله قد يكون، في جانب منه، "تمنيًا لبنانيًا" لم يتحول بعد إلى حقيقة قابلة للنقاش، لا سيما أن أكثر من موقع إسرائيلي نفى هذه المعلومات.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أنه في إطار مقارنة هذه القوة المحتملة بقوات اليونيفيل، يجب تحديد قواعد الاشتباك وآليات التحقق التي ستعمل على أساسها، مشددًا على أن هذه القواعد يجب أن تكون موضع اتفاق بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة. وقال إن القوة، أيًا كانت جنسيات الدول المشاركة فيها، ستكون فريقًا منفذًا، وليست جهة تضع قواعد العمل أو تخطط لها.
وأشار حمادة إلى أن الدول التي سترسل وحدات للمشاركة في هذه القوة ستكون مقيدة بقواعد التحقق التي يتم الاتفاق عليها، وبالتالي فإن الرهان على أن زيادة عدد الجنسيات يمكن أن تؤدي إلى تغيير هذه القواعد أو دفعها في اتجاه لا تريده الولايات المتحدة هو رهان على المجهول، معتبرًا أن قواعد التحقق ستكون، في نهاية المطاف، ذات طابع أميركي، باعتبار أن الولايات المتحدة لا تزال الجهة الأساسية القادرة على وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، والتي تدير الاتصالات مع إسرائيل.
ولفت إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بقواعد التحقق، بل أيضًا بالصلاحيات التي ستمنح للقوة في حال عدم تنفيذ أحد الأطراف التزاماته. وقال إن تشكيلها يفترض أن يتم بموجب قرار من مجلس الأمن، متسائلًا عما إذا كان القرار سيصدر تحت الفصل السابع، بما يسمح لقوة عسكرية بفرض تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في حال تلكؤ إسرائيل أو الجيش اللبناني.
وأضاف أن اقتصار المهمة على المراقبة سيجعل أفراد القوة مجرد شهود على عدم تنفيذ إسرائيل أو لبنان لالتزاماتهما، من دون امتلاك القدرة على تغيير الواقع أو فرض التنفيذ. واعتبر أن البحث لا يزال في مراحله الأولى، إذ إن الاتفاق على قواعد التحقق يسبق تحديد الدول المشاركة، كما أن طبيعة الجهة الدولية الضامنة للاتفاق وصلاحياتها يجب أن تكون جزءًا من آلية التحقق نفسها.
وفي مقارنته مع اليونيفيل، أوضح حمادة أن تجربة القوات الدولية أظهرت نقاط ضعف أساسية، إذ إن تشكيلها استند إلى الفصل السادس، ما حد من قدرتها على استخدام القوة، وحول دورها عمليًا إلى المراقبة ورفع التقارير. كما اصطدمت بمسألة التنسيق مع الجيش اللبناني وعدم تجاوبه، في بعض الحالات، مع عمليات التفتيش، إضافة إلى اعتراضات الأهالي ومواقف الدولة.
واعتبر أن هذه الثغرات لا ينبغي أن تتكرر في أي ترتيبات جديدة، مشددًا على أن الخلاف الأساسي لا يجب أن يبدأ من أسماء الدول المشاركة أو حق لبنان وإسرائيل في الاعتراض على بعض الجنسيات، بل من آلية التحقق ومعايير التحقق، باعتبارهما جوهر الاتفاق، مشيرًا إلى أن هذه المسألة كانت وراء انتشار الجيش في زوطر الغربية وتحويل مهمته هناك إلى مهمة أمنية لا تتصل، بحسب تعبيره، بجوهر المهمة المطلوبة منه.
وفي ما يتعلق بتفتيش المنازل، اعتبر حمادة أن الاتفاق يستند أساسًا إلى انسحاب إسرائيل ومصادرة البنى التحتية لحزب الله، مشيرًا إلى أن لبنان لا يزال مرتبكًا في مسألة تفتيش هذه البنى ومصادرتها، ولا سيما إذا كانت موجودة داخل المنازل أو ضمن ملكيات خاصة. وقال إن الأهالي يريدون العودة إلى منازلهم وإعادة إعمارها والعيش كمواطنين، فيما تكمن المشكلة، بحسب رأيه، في موقف حزب الله من العملية وتمسكه بسلاحه. واعتبر أن السؤال الأساسي يتمثل في ما إذا كانت الدولة ستخضع لشروط الحزب، وما التداعيات التي قد تترتب على ذلك.
وتابع أن التداعيات التي يشهدها لبنان تتمثل حاليًا في "تفجير وتفجير وتفجير"، مشيرًا إلى أن ذلك قد يتبعه لاحقًا تصعيد عسكري أكبر، وفقًا لما يخدم الانتخابات في إسرائيل والانتخابات في أميركا، مضيفًا أن لبنان يتقاعس اليوم ويترك المجال مفتوحًا لإسرائيل وأميركا لكي تستثمرا في "تغول حزب الله علينا من الآن ولمئة سنة"، معتبرًا أن الموقف يجب أن يقاس بقدرتنا على تصور معايير المخاطرة ونسبتها.
وحذر حمادة من أن استمرار التردد والتلكؤ قد يفتح الباب أمام إسرائيل والولايات المتحدة لاستثمار ملف سلاح حزب الله ضد لبنان لفترة طويلة، مشددًا على أن المطلوب هو تقدير المخاطر في الاتجاهين: إلى أين نذهب بلبنان إذا لم ننفذ، وإلى أين نذهب إذا نفذنا؟ معتبرًا أن لبنان لا يملك ترف تجاهل هذا الاستحقاق.
ويبقى نجاح أي آلية جديدة رهنًا بوضوح قواعد التحقق وصلاحياتها وقدرتها على فرض تنفيذ الالتزامات، بعيدًا عن تكرار الثغرات التي طبعت تجربة اليونيفيل. وفي ظل استمرار الغموض حول آلية نزع السلاح وتفتيش البنى التحتية، تبدو الطريق أمام تطبيق أي اتفاق أكثر تعقيدًا من مجرد التوافق على أسماء الدول المشاركة.