عاد ملف تعليم قيادة السيارات إلى الواجهة، مع تصاعد اعتراض مكاتب ومدارس تعليم السوق على الآلية الجديدة التي أقرتها وزارة الداخلية والبلديات لتنظيم القطاع وتحديد بدلات التدريب. وبعد صدور قرار وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار الرقم 825 في 8 تموز 2026، دخل أصحاب المكاتب والمدارس في مواجهة مع واقع جديد، يعتبرون أنه لا يراعي كلفة التشغيل ولا يؤمن لهم هامشا مقبولا للاستمرار.
فهل يعاد النظر في القرار قبل أن تتوسع الأزمة؟
وفي هذا السياق، قال رئيس نقابة أصحاب تعليم قيادة السيارات في لبنان عفيف عبود إن أصحاب المهنة ليسوا في حالة إضراب، بل هم في حالة ترقب، بانتظار إعادة النظر في القرار المتعلق بالمبالغ والأسعار المحددة، مضيفا إن أحدا لا يقبل العمل بخسارة أو بأقل من الكلفة، مشيرا إلى أن أصحاب المهنة يطالبون، في الحد الأدنى، بهامش ربح يتراوح بين 5 و10 في المئة، مؤكدا أن الاستمرار في العمل مع تكبد الخسائر أمر غير مقبول.
وبيّن عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن التقييم المعتمد حاليا لا يمكن أن يعطي صورة دقيقة عن مستوى المتدرب، لافتا إلى أن تعليم القيادة يحتاج إلى فترة تدريب كافية قبل الحكم على مستوى السائق، ضاربا المثل بالمدرسة، حيث يتلقى التلميذ التعليم طوال العام، قبل أن يحصل في نهايته على الشهادة أو الـ "كارنيه".
ولفت عبود إلى أن مدة التقييم المحددة بـ 40 دقيقة لا تكفي للقيام بكل الاختبارات المطلوبة، موضحا أن المتدرب يحتاج خلال هذه الفترة إلى الجلوس أمام جهاز الكمبيوتر للإجابة عن أسئلة وإشارات قانون السير، إضافة إلى الخضوع لاختبار القيادة على جهاز الـ "باركور" للتأكد من قدرته على القيادة.
وشدد على أن القيام بهذه الاختبارات كلها خلال 40 دقيقة غير كاف، خصوصا وأن كلفتها المحددة لا تتجاوز 15 دولارا.
وفي ما يتعلق بالتعرفة، أشار عبود إلى أن مجلس النواب اتخذ قرارا برفع معاشات النواب إلى 5 آلاف دولار، في حين أن أصحاب تعليم القيادة كانوا يتقاضون 30 دولارا وأصبحوا يتقاضون 15 دولارا، معتبرا أن هذا الأمر غير مفهوم بالنسبة إليهم.
وأكد أن أصحاب المهنة يتريثون بانتظار إعادة النظر في القرار، موضحا أن التعرفة الحالية لا تعطيهم حقهم.
وكشف عبود أن لديهم مراجعة مع وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، الذي وعد بإعادة النظر في هذا الموضوع خلال شهر، مشيرا إلى أنهم بانتظار ما ستؤول إليه هذه المراجعة.
وفي ملف الاتهامات بتقاضي مبالغ مرتفعة، أوضح أن أصحاب المهنة اتهموا أخيرا بتقاضي مبالغ تصل إلى 700 و800 دولار، مؤكدا أن الأمر لا يتعلق بالمدارس المرخصة، بل بوجود سماسرة يستفيدون من هذه العمليات.
وبيّن عبود أن النقابة كانت تطلب من المواطنين التوجه إلى مدارس مرخصة، لأن المدرسة يمكن محاسبتها في حال حصول أي مخالفة، بينما يصعب محاسبة السمسار لعدم معرفة هويته أو الجهة التي يعمل معها، شارحا أن السمسار قد يتوجه إلى شخص ويعرض عليه تأمين دفتر سوق، ويقول له إن لديه جهة يمكنها إنجاز المعاملة، ثم يطلب منه مبلغا يصل إلى 700 دولار، قبل أن يتفاوض معه على إنجازها مقابل 600 دولار.
وتابع: يتوجه السمسار بعدها إلى المدرسة، ويطلب إنجاز دفتر لأحد أقاربه، فيقال له إن الكلفة المتفق عليها هي 400 دولار، وفق ما كان متفقا عليه سابقا مع رئيس المصلحة السابق ووزير الداخلية والبلديات السابق بسام مولوي، ثم يتفاوض مجددا ليحصل على المعاملة مقابل 350 دولارا.
ولفت عبود إلى أن السمسار، بهذه الطريقة، يضع نحو 250 دولارا في جيبه، فيما يعتقد المواطن أن المدرسة تقاضت منه 600 دولار، مشددا على أن هذا هو تحديدا ما كانت النقابة تحذر منه. وطالب بمحاسبة السماسرة الذين يمارسون هذه الطريقة، وعدم تحميل المدارس مسؤولية عمليات لا تستفيد منها، أو التنازل عن حقوق أصحاب المهنة، فيما يبقى السمسار هو المستفيد الأكبر.
وعن الشكاوى، أفاد بأن الوزير تلقى شكاوى، مؤكدا أنه يتفهم هذا الأمر، وأن النقابة تقف إلى جانب الوزير في مواجهة أي تجاوزات. وشدد على أن أصحاب المهنة لا يريدون أن يتعرض المواطن للاستغلال. وقال "نحنا ما بدنا المواطن ينسرق، ولكن ما بدنا نشحد، بدنا نعيش ولادنا ونعيش بكرامة".
وفي ما يخص أعباء المهنة، أشار عبود إلى أنها ارتفعت بشكل كبير، موضحا أنه في السابق كان يكفي مكتب واحد، فيما يفرض القانون الجديد مكتبين، ما رفع كلفة الإيجار من نحو 500 أو 600 دولار إلى 1200 دولار.
ولفت إلى أن الموظفة التي تعمل في المكتب لتدريب التلاميذ على الكمبيوتر كانت تتقاضى نحو 600 دولار، وأصبحت اليوم تحتاج إلى 800 أو 1000 دولار، فيما ارتفعت أجرة المدرب الذي كان يتقاضى 5 دولارات للساعة إلى نحو 15 دولارا، على الرغم من أنه يمضي ساعات طويلة في العمل تحت الشمس.
كما تطرق عبود إلى كلفة الكهرباء والمياه التي ارتفعت أيضا، فيما صعد سعر صفيحة البنزين من نحو 13 دولارا إلى 28 دولارا. وقال" كل شي غلي إلا نحنا، نزلولنا 50 %"، ومؤكدا أن أصحاب المهنة لا يريدون العمل بخسارة.
وشدد على أن النقابة ليست ضد القرار، بل تؤيده شرط إعادة النظر في بعض بنوده وتعديله، موضحا أن إلزام التلميذ بخمس دروس فقط قبل التقدم للامتحان لا يعكس بالضرورة مدى جاهزيته للقيادة، خصوصا وأن التلميذ الذي يرسب سيضطر إلى العودة للتدريب مجددا.
وفي هذا الإطار، بيّن عبود أن عدد الدروس التي يحتاج إليها كل تلميذ يختلف من شخص إلى آخر، تماما كما هو الحال في المدرسة، حيث يوجد تلميذ متفوق وآخر يحتاج إلى وقت أطول، لافتا أيضا إلى أن الحالة النفسية والظروف الشخصية تؤثر في قدرة الشخص على التعلم والتركيز.
وأشار إلى أن بعض التلامذة قد يصلون إلى درس القيادة بعد ليلة من دون نوم أو وهم مرهقون، فيما قد تكون بعض النساء منشغلات بأعباء المنزل والأولاد، ما يؤثر أيضا في مستوى التركيز والاستفادة من الدرس، مؤكدا أن هذه العوامل يجب أخذها في الاعتبار عند تقييم المتدرب. واعتبر أنه لا يعارض تقييمه أو احتساب التدريب بالساعة أو بالدرس، "بس مش يقللي هيدا إجا عمل 5 ساعات، صار لازم يعمل دفتر".
وطرح عبود تساؤلا حول السلامة المرورية، وقال: هل يا ترى السلامة المرورية بتنقضى هيك؟"، مشيرا إلى أن لبنان شهد، منذ يومين، 16 حادثا، أسفرت عن 22 إصابة وحالتي وفاة، ومتسائلا عن أسباب استمرار هذا الواقع.
ولفت إلى أن النقابة، حرصا على المواطنين، لا سيما الطلاب الذين يستعدون للذهاب إلى جامعاتهم، ستسعى إلى إعادة تسيير العمل. وقال: سنحاول، اعتبارا من الأسبوع المقبل، البدء بالعمل وفقا لطاقاتهم وقدرتهم، من أجل تسيير أمور المواطنين.
وبين كلفة تتصاعد وبدلات يعتبرها أصحاب المهنة غير منصفة، يبقى القرار 825 أمام اختبار: فهل يعدل أم تتصاعد الأزمة؟