في الجنوب، يعود التصعيد الإسرائيلي إلى الواجهة، مع رفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سقف التهديدات، متحدثا عن عملية "بالغة الأهمية" في لبنان. وبينما تسعى الدبلوماسية الأميركية إلى تسويق المفاوضات على أنها إيجابية ومثمرة، تكشف المعطيات اللبنانية عن هوة لا تزال واسعة بين بيروت وتل أبيب، وسط شروط متباينة قد تعيد المسار التفاوضي إلى نقطة الصفر.
وقال نتنياهو إن إسرائيل قامت في الأيام الأخيرة بعمل حازم في لبنان، حيث استهدفنا مسلحين، خصوصا في مرتفعات علي طاهر. أضاف خلال جلسة الحكومة الإسرائيلية: لا يمكنني الخوض في تفاصيل هذا الأمر، فنحن في خضم عملية بالغة الأهمية، مؤكدا أن إسرائيل "تعمل بكل ما أوتيت من ذكاء وحكمة، بعزيمة وحكمة مع الجيش الإسرائيلي، ونقضي على التهديدات".
فهل يعلق لبنان مشاركته في المفاوضات إلى حين تنفيذ مطالبه بوقف إطلاق النار واستكمال تجربة المناطق التجريبية؟
وفي هذا السياق، قال الكاتب الصحافي والمحلل السياسي عدنان القاقون إن الجنوب يعيش على إيقاع حالة من اللا حرب واللا سلم، في ظل المشهد المتوتر في منطقة الخليج العربي، موضحا أن إسرائيل، على وقع التناقضات الإقليمية، تمضي في مشروعها في لبنان باتجاه خلق واقع جديد وقواعد اشتباك جديدة. واعتبر أن تهديد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يكن عبثيا.
وفي مفارقة لافتة، لفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن نتنياهو يريد الحرب في لبنان لضمان موقعه في السلطة في الانتخابات المقبلة، في وقت يريد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على العكس تماما، هدنة موقتة في منطقة الخليج، بما يسمح له بالمضي بأمان نحو انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، مشيرا إلى أنه بين حاجة نتنياهو السياسية إلى الحرب في لبنان، وضرورة الهدنة الموقتة لترامب في منطقة الخليج، يُشكل، في ظل هذا الفراغ، واقع جديد في لبنان، بالتوازي مع رسم قواعد اشتباك جديدة.
وعن المسار التفاوضي، اعتبر أن إسرائيل حققت نصرا سياسيا عندما ذهب المفاوض اللبناني إلى واشنطن، ومن بعدها إلى روما، وجلس الوفدان اللبناني والإسرائيلي على طاولة واحدة، مشيرا إلى أن هذا الأمر يشكل إنجازا سياسيا لإسرائيل كانت تطالب به منذ عقود.
أما اليوم، فالمطلوب إسرائيليا، وفق القاقون، تحقيق إنجاز ميداني عبر خلق قواعد اشتباك جديدة في لبنان، بعدما وجدت إسرائيل أن مشروع السلطة اللبنانية أو هدفها، وباعتقاده، الغالبية العظمى من اللبنانيين، والمتمثل بنزع سلاح حزب الله وحصر السلاح بيد السلطة اللبنانية، أصبح بعيد المنال في ظل الواقع الميداني والسياسي القائم.
ومن هذا المنطلق، بات الخيار الأفضل بالنسبة إلى إسرائيل، وفق قراءته، خلق قواعد اشتباك جديدة في لبنان، لتستفيد، بعد الانتخابات الإسرائيلية وما ستسفر عنه، من الواقع الجديد الذي فرضته في جنوب لبنان، وتوظفه في فرض شروطها على المفاوض اللبناني.
وعند هذه النقطة، شدد القاقون على ضرورة التوقف عند مسألة أساسية، داعيا إلى مقاربة الواقع كما هو، بعيدا من التوصيفات. وقال إنه لا توجد عملية تفاوض بين إسرائيل ولبنان بالمعنى الحقيقي للتفاوض.
وبرأيه، فإن التفاوض يكون بين ندين سياسيين، فيما لا ينطبق هذا التوصيف على الواقع القائم بين لبنان وإسرائيل. ومن هنا، فإن لبنان أصبح أمام حتمية الدخول في الأجندة الإقليمية والدولية، في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة والعالم.
وفي هذا الإطار، لفت القانون إلى أن العالم أمام نظام عالمي جديد يتشكل، وليس مجرد نظام جديد في المنطقة، معتبرا أن لبنان لم يعد يملك ترف اختيار الدخول في مفاوضات، بل إن خياره الوحيد هو الانخراط في الأجندة الدولية التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفي ملف السلاح، طرح السؤال حول ما إذا كانت الضغوط الإسرائيلية وقواعد الاشتباك الجديدة التي تحاول إسرائيل فرضها في لبنان، وتحديدا في الجنوب، ستدفع باتجاه حلول ترقيعية في ملف السلاح غير الشرعي، واضفا هذا الملف بأنه "الخطر الأكبر". وتحدث، في الوقت نفسه، عن قضية بالغة الأهمية، وهي السلاح الفلسطيني في لبنان.
وفي هذا السياق، لم يحصر الحديث بالسلاح غير الشرعي في لبنان، بل تناول أيضا السلاح الفلسطيني، مشيرا إلى أن المنظمات التي تطلق على نفسها صفة "منظمات جهادية"، ومنها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، لا تزال ترفض تسليم سلاحها حتى اللحظة، بل وتطالب، قبل الدخول في هذا التفاوض، بالحصول على حقوق مدنية واجتماعية.
وتساءل: ماذا يعني أن أطالب بحقوق مدنية واجتماعية؟ هل نحن أمام تغيير في ديموغرافية لبنان؟ وهل نحن أمام عملية تجنيس جديدة في لبنان؟
وفي ما يتصل بالجنوب، اعتبر أن هناك سؤالا آخر بالغ الأهمية والخطورة، لافتا، بحسب معلوماته، إلى أن إسرائيل لا تطمح إلى الحصول على أراض لبنانية، إنما إلى فرض واقع جديد وتجييره لمصلحة المستقبل في لبنان، داعيا، في المقابل، إلى الاستفادة من هذا الزخم، بعدما أصبح لبنان في دائرة الاهتمام الأميركي، وكذلك من الاهتمام الدولي المتزايد بالملف اللبناني، للذهاب نحو طاولة حوار حقيقية.
وطرح إمكان التوصل إلى صيغة سياسية جديدة. وقال: هل ممكن نكون أمام طائف 2، دوحة 2، أو أي صيغة كانت؟، مشددا على أن الوضع السياسي في لبنان لم يعد يسمح باستمرار الأمور على هذا الشكل، لأن المشكلة، برأيه، ليست محصورة في الجنوب فقط.
وفي مقاربة للواقع الداخلي، أكد القاقون على أنه قبل تحرير الأرض، ومن المهم جدا نزع سلاح حزب الله، لكن الأهم أيضا أن نحرر مؤسسات الدولة اللبنانية من مافيا المنظومة التي تغلغلت في لبنان ولا تزال، مشيرا إلى أن اللبنانيين تعايشوا طويلا مع الذل، ومع واقع حرموا فيه من أبسط حقوقهم. وقال: لا كهربا، لا مي، لا وظيفة.
ومن هنا، شدد على أن المطلوب لا يقتصر فقط على نزع سلاح حزب الله وانسحاب إسرائيل، بل يجب، في المقابل، أن تترافق هذه الخطوات مع إجراءات عملية وحقيقية لتحرير الدولة اللبنانية ومؤسساتها من "هذا الاحتلال المافياوي للبلد"، مؤكدا، في ختام مقاربته، أن لبنان لا يملك خيارا سوى الاستمرار في هذه الأجندة الإقليمية والدولية. وتحدث عن وجود قرار دولي يقضي بدخوله في مسار المفاوضات.
وفي المقابل، قد تتعطل عملية التفاوض أو تتفرمل بفعل الظروف الانتخابية في إسرائيل وانعكاساتها على جنوب لبنان، وما قد يرافقها من إرساء قواعد اشتباك جديدة، لكن لبنان، في نهاية المطاف، لا يملك سوى المضي قدما في المفاوضات.
وبين التصعيد والضغوط الدولية، يبقى لبنان أمام اختبار صعب: تثبيت موقفه وحماية مسار التفاوض من التحول إلى واقع جديد تفرضه التطورات الميدانية.