كأن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم لا يزال يتحدث بمنطق لبنان ما قبل الحرب. ففي وقت تبدلت فيه موازين القوى والمعادلات السياسية، وارتفع الحديث عن حصرية السلاح بيد الدولة، خرج قاسم ليتحدث عن انتشار الجيش اللبناني، محددا أين ينبغي أن ينتشر، في موقف أثار موجة واسعة من الاعتراضات السياسية. ولم تقتصر الردود على خصوم حزب الله، بل طالت أيضا شخصيات من بيئات سياسية حليفة، شددت على أن قرار انتشار الجيش يعود للدولة وقيادة المؤسسة العسكرية وحدهما.
فإلى متى سيبقى نعيم قاسم منفصلا عن الواقع، متجاهلا التحولات التي فرضتها الحرب على المشهد اللبناني؟
في هذا الإطار، أكد أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية الدكتور وجيه قانصو أن كلام قاسم يأتي في سياق محاولة تثبيت الوضعية السابقة والترتيبات التي كانت قائمة قبل هذه الحرب، وحتى قبل حرب الإسناد التي شنها حزب الله، معتبرا أن هذه الوضعية كانت تقوم على معادلة الجيش والشعب والمقاومة التي يتمسك بها الحزب، والتي تعني، وفق قراءته، أن سلاح الأخير يمنح شرعية موازية لشرعية سلاح الجيش اللبناني، بحيث يصبح جزءا من المعادلة السياسية والأمنية في لبنان.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن التمسك بهذه الثلاثية لم يكن مجرد شعار سياسي، بل كان قائما على اعتبار أن سلاح الحزب يحمل القيمة والشرعية نفسها التي يحملها سلاح الجيش اللبناني، مشيرا إلى أن هذه المعادلة شكلت في مرحلة سابقة سمة أساسية من سمات الحياة السياسية والنظام السياسي اللبناني. وانطلاقا من ذلك، رأى أن حديث نعيم قاسم عن انتشار الجيش اللبناني شمال الليطاني يعكس استمرار التعامل مع منطق المرحلة السابقة، وكأن هناك جهة أخرى غير الدولة يمكنها أن تحدد طبيعة انتشار الجيش ومهامه، مشيرا إلى أن الجيش يمكنه أن ينتشر في الجنوب أو شمال الليطاني، لكن تحديد مكان انتشاره يجب أن يكون قرارا صادرا عن الدولة والمؤسسة العسكرية، وليس نتيجة ترتيبات يفرضها أي طرف آخر.
واعتبر قانصو أن هذا الخطاب لا يلحظ حجم المتغيرات الكبيرة التي حصلت بعد الحرب، مشيرا إلى أن حزب الله لم يعد في الوضعية التي تسمح له بالتحدث عن دور الجيش اللبناني أو كيفية توزيعه وانتشاره. وقال إن الحزب فقد زمام المبادرة بعد الحرب، بعدما أطلق مواجهة لم يكن قادرا خلالها على ردع إسرائيل عن الاحتلال أو عن حجم الدمار الذي حصل، وبالتالي فإن حديثه اليوم يأتي من موقع مختلف عن الموقع الذي كان عليه سابقا، لافتا إلى أن الحزب كان في مراحل سابقة قادرا على فرض معادلات سياسية. واستشهد باتفاق الدوحة الذي كرس، بحسب رأيه، صيغة سياسية سمحت بتثبيت معادلة الجيش والشعب والمقاومة، لكن المعطيات الحالية أثبتت أن موازين القوة تغيرت.
وفي ما يتعلق بملف السلاح، رأى أن قضية سلاح حزب الله لم تعد مجرد شأن لبناني داخلي، بل أصبحت مرتبطة بمسار إقليمي ودولي، معتبرا أن الضغط الأميركي والدولي باتجاه حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية أصبح واضحا. وأشار إلى أن مسار الأحداث في المنطقة، سواء في ما يتعلق بحصرية السلاح في العراق أو بالاتفاقات المرتبطة بالحدود اللبنانية الإسرائيلية، يؤكد، بحسب رأيه، أن الدولة اللبنانية باتت مطالبة بأن تكون المرجعية الوحيدة في مسألة حمل السلاح واستخدامه.
وقال قانصو إن حزب الله يحاول من خلال خطابه إعادة إدخال السلاح في المعادلة السياسية المقبلة، معتبرا أن المتغيرات الكبرى التي حصلت لم تعد تسمح بذلك، وأن النقاش لم يعد حول ما إذا كان هذا المسار سيحصل أم لا، بل حول توقيته وآلياته. ورأى أن قيادة الحزب تتصرف وكأن الأمور لم تتغير، معتبرا أن خطاب الانتصار الذي تعتمده يهدف إلى الحفاظ على تماسك بيئتها الداخلية، لكنه لا يعكس، بحسب رأيه، الواقع السياسي الجديد.
وأشار إلى أن اللافت في المرحلة الحالية هو تغير طبيعة الردود على مواقف حزب الله، إذ لم تعد كما كانت سابقا، عندما كانت مواقف الأمين العام للحزب تقابل بردود أكثر حذرا، لافتا إلى أن ردود رئيس الحكومة نواف سلام كانت صارمة وحازمة. واعتبر أن ارتفاع سقف الاعتراضات، حتى من شخصيات من داخل بيئات سياسية كانت قريبة من الحزب، يعكس تحولا في المزاج السياسي اللبناني، مشددا على القوى السياسية قد تختلف في التفاصيل، لكنها باتت تلتقي على أن الدولة يجب أن تكون المرجعية الحصرية في القرار الأمني والعسكري.
ورأى قانصو أن لبنان يمر بمرحلة انتقالية نحو فضاء سياسي جديد وخريطة قوى جديدة، معتبرا أن سلاح حزب الله بات، وفق قراءته، خارج أي ترتيب سياسي أو أمني مقبل، وأن المسألة أصبحت مرتبطة بالتوقيت والآلية أكثر من ارتباطها بمبدأ بقاء هذا السلاح ضمن المعادلة اللبنانية.
في المحصلة، لم يكن الجديد في كلام نعيم قاسم، بل في ردود الفعل عليه. فالسجال الذي أعقب تصريحاته أظهر أن التعاطي مع الجيش بمنطق الشراكة أو الوصاية لم يعد يحظى بالتسليم نفسه، وأن المشهد السياسي اللبناني بات يتجه أكثر نحو التشديد على أن قرار المؤسسة العسكرية يبقى حصرا بيد الدولة.