في تطور لافت يعكس حجم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط منذ هجوم 7 تشرين الأول 2023، أعلنت حركة حماس موافقتها على خارطة طريق تقضي بتسليم سلاحها في قطاع غزة، في خطوة اعتبرها كثيرون محطة مفصلية في مسار إعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
ويأتي هذا التحول بعد حرب مدمرة ألحقت بغزة خسائر بشرية ومادية هائلة، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مصير بقية الأذرع الإقليمية المرتبطة بإيران، لا سيما بعد المؤشرات المتزايدة في العراق نحو حصر السلاح بيد الدولة.
وفي ظل هذه المتغيرات، يفرض ملف سلاح حزب الله نفسه بندا أساسيا على أجندة المرحلة المقبلة، وسط تباين في التقديرات بين من يرى أن الحزب سيجد نفسه عاجلا أم آجلا أمام استحقاق حصرية السلاح بيد الدولة، ومن يعتبر أن خصوصية وضعه وارتباط قراره الاستراتيجي بإيران يجعلان أي تحول في هذا الاتجاه أكثر تعقيدا من التجربتين العراقية والغزية.
وفي مقاربة لهذه التساؤلات، رأى الكاتب والمحلل السياسي وجدي العريضي أن المنطقة تشهد مرحلة إعادة هيكلة جيوسياسية شاملة، تترافق مع إعادة فرز على مختلف المستويات، لا سيما في ما يتعلق بملف الميليشيات والسلاح غير الشرعي، من لبنان إلى العراق وقطاع غزة، مشيرا إلى أن حركة حماس، بقيادة يحيى السنوار، خاضت حربا مدمرة انتهت بتدمير قطاع غزة وتهجير قسم كبير من سكانه، فيما لا تزال تداعياتها السياسية والاقتصادية والإنسانية مستمرة حتى اليوم. وقال إن حزب الله انخرط في الحرب تحت عنوان إسناد غزة، الأمر الذي انعكس سلبا على لبنان، الذي لا يزال يدفع أثمانا باهظة على مختلف المستويات، تماما كما دفعت غزة كلفة تلك الحرب.
وأكد عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن السؤال المطروح اليوم لا يقتصر على الاعتداءات الإسرائيلية، على الرغم من كون إسرائيل دولة احتلال تمارس سياسات عدوانية واستيطانية في غزة ولبنان وجنوب سوريا، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة جدوى استمرار السلاح غير الشرعي، معتبرا أن القرارات التي اتخذتها حماس وحزب الله، إلى جانب فصائل أخرى مرتبطة بإيران، ساهمت في الوصول إلى الواقع الحالي.
وفي السياق نفسه، لفت العريضي إلى أن المعطيات المتوافرة تشير إلى أن الحكومة العراقية، برئاسة علي الزيدي، تتجه إلى معالجة ملف سلاح الحشد الشعبي، مع حديث عن خطوات مرتقبة خلال شهر أيلول المقبل، متحدثا عن بروز مواقف من قيادات في حركة حماس، في الداخل والخارج، تدعو إلى فتح قنوات حوار مع الولايات المتحدة الأميركية، على غرار المفاوضات غير المباشرة القائمة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. وذكر بأن حزب الله سبق أن دخل في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل بوساطة ألمانية لاستعادة أسرى وجثامين.
وتساءل عما إذا كانت حماس ستذهب إلى حوار مباشر أو غير مباشر مع الولايات المتحدة مقابل تسليم سلاحها، والحصول على ضمانات تتعلق بإعادة إعمار قطاع غزة، معتبرا أن هذا الاحتمال بات مطروحا بقوة في المرحلة الراهنة.
أما في لبنان، فرأى العريضي أن الملف الأكثر حساسية يبقى سلاح حزب الله، مشيرا إلى أن أكثر من مسؤول ونائب في الحزب أعلن بوضوح أن السلاح لن يسلم حتى في حال انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية. واعتبر أن هذا الموقف يعكس ارتباطا عقائديا وسياسيا بإيران، مؤكدا أن قرار الحزب، سواء في ما يتعلق بالسلاح أو التمويل أو الخيارات الاستراتيجية، يبقى مرتبطا بطهران، وهو ما سبق أن أكده الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله، وكرره مسؤولون آخرون في مناسبات مختلفة.
وقال العريضي إن استمرار تمسك حزب الله بسلاحه يشكل، برأيه، أحد أبرز العوائق أمام عودة الاستثمارات العربية والخليجية إلى لبنان، موضحا أن عددا من المستثمرين والمسؤولين الخليجيين يؤكدون أن أي استثمار جدي يحتاج إلى بيئة مستقرة، وإلى حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، بما يضمن الأمن والاستقرار. وأشار، في هذا الإطار، إلى أن رجل الأعمال الإماراتي الشيخ خلف الحبتور كان قد أعلن استعداد المستثمرين الإماراتيين والخليجيين للاستثمار في لبنان، إلا أن غياب الضمانات الأمنية واستمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة يشكلان عائقا أساسيا أمام أي اندفاعة استثمارية.
واعتبر أن المؤشرات الحالية لا توحي بأن حزب الله سيسير في المسار نفسه الذي قد يسلكه الحشد الشعبي في العراق، أو أنه سيستجيب لأي ضغوط داخلية أو خارجية تدفعه إلى تسليم سلاحه، على الرغم من المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة. وقال إن حركة حماس نفسها تشهد تحولات داخلية عميقة، مع تزايد القناعة لدى بعض قياداتها بأن وظيفة السلاح قد انتهت بعد الدمار الذي لحق بقطاع غزة، وتراجع حضور الحركة داخل الأراضي الفلسطينية، وانتقال معظم قياداتها إلى الخارج.
وفي المقابل، رأى العريضي أن استمرار تمسك حزب الله بسلاحه ينعكس سلبا على الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في لبنان، معتبرا أن التطورات المقبلة ستكشف ما إذا كان الحزب سيواصل النهج نفسه، لا سيما في ظل تراجع قدراته العسكرية بعد الحرب الأخيرة، وما رافقها من سيطرة إسرائيل على أجزاء من الجنوب، واكتشاف وتدمير عدد من الأنفاق والبنى العسكرية.
وتابع أن أي مواجهة جديدة بين إيران والولايات المتحدة قد تدفع حزب الله، انطلاقا من ارتباطه العقائدي بإيران، إلى الانخراط مجددا في أي مواجهة، الأمر الذي سيعرض لبنان، بحسب تقديره، لموجة جديدة من الدمار والاستهداف، لا سيما في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع. وقال: هناك معلومات تتحدث عن اتصالات تجري مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي لا يرغب، بحسب قوله، في تكرار تجربة الحرب الأخيرة، إضافة إلى وجود قنوات تواصل مع حزب الله حول آليات التعاطي مع المرحلة المقبلة.
وخلص العريضي إلى أن الجهة الوحيدة القادرة، في نهاية المطاف، على اتخاذ قرار نزع سلاح حزب الله هي إيران، إذا رأت في ذلك مصلحة سياسية تحقق لها مكاسب في أي تسوية إقليمية مقبلة، متحدثا أيضا عن احتمال تأثر هذا الملف بأي تطورات ميدانية قد تشهدها الساحة السورية أو الجنوبية.
وبناء على مجمل هذه المعطيات، يبدو أن إسقاط تجربة حماس على حزب الله لا يزال سابقا لأوانه، في ظل اختلاف طبيعة العلاقة التي تربط الأخير بإيران، عقائديا وتنظيميا واستراتيجيا. وعليه، فإن أي تحول في ملف سلاحه يبقى، وفق المعطيات المتداولة، مرتبطا بالقرار الإيراني أولا وأخيرا، باعتباره الجهة التي تمتلك الكلمة الفصل في هذا الملف.