الأنفاق في مرمى النار، فإسرائيل لم تكتف برد عسكري على استهداف جرافة، بل وجهت ضربتها إلى ما تعتبره عمق قدرات حزب الله: الأنفاق والبنى التحتية العسكرية. ضربة تتجاوز حدود الرد نفسه، وتفتح الباب أمام تساؤلات حول أهداف هذا التصعيد، وما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى تغيير قواعد المواجهة في الجنوب.
فالمشهد لم يعد مرتبطا بضربة واحدة، بل بمسار تصعيدي يتدرج، وسط أسئلة عن مدى قدرة حزب الله على الاستمرار في ضبط النفس، وإلى أين يمكن أن يصل هذا المسار.
وفي هذا السياق، اعتبر مدير تحرير صحيفة الجمهورية طارق ترشيشي أن التفجيرات التي تنفذها إسرائيل لا علاقة لها بأي حجة أو ذريعة تتذرع بها، مشيرا إلى أنها الطرف الذي يواصل خرق وقف إطلاق النار، من دون اكتراث باتفاق الإطار أو أي اتفاق آخر.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذه التفجيرات لا يمكن إدراجها إلا في إطار التدمير الممنهج للقرى والبلدات الجنوبية وتسويتها بالأرض، لافتا إلى أن ما يحصل يطرح تساؤلات حول الأهداف الحقيقية وراء هذه العمليات.
وتساءل ترشيشي: لو كانت لدى إسرائيل نية الالتزام باتفاق الإطار، وبالتالي الانسحاب، ولو تدريجيا، من لبنان، فلماذا تواصل هذا التدمير؟ معتبرا أن ما يجري يتناقض مع أي حديث عن الالتزام بالاتفاقات.
وقال إن قصف جرافة لا يرد عليه بتدمير بلدة محتلة أو معلم تاريخي يقع تحت الاحتلال، معتبرا أن حجم الرد الإسرائيلي يتجاوز، برأيه، أي مبررات تعلنها تل أبيب.
وفي هذا الإطار، لفت ترشيشي إلى أن هذا التدمير يطرح أمام العالم ثلاثة احتمالات. وقال إن الاحتمال الأول يتمثل في أن إسرائيل لا تنوي الانسحاب من لبنان، بل تخطط لاحتلال طويل الأمد، وتمهد لمشروع ضم للمنطقة على غرار ضم الجولان، مشيرا إلى أن حجم الدمار قد يكون مؤشرا إلى هذا التوجه. أما الاحتمال الثاني، فأشار إلى إمكانية أن يكون التدمير الممنهج للقرى والبلدات الجنوبية جزءا من خطة لفرض احتلال طويل أو التمهيد لمشروع ضم في المستقبل. أما الاحتمال الثالث، فيتمثل، بحسب ترشيشي، في أن تكون إسرائيل تسعى إلى تسليم هذه المناطق للبنان لاحقا وهي غير صالحة للحياة، فلا تكون قابلة للسكن أو الإقامة أو حتى للزراعة، بما يمنع أهلها من العودة إليها إلا بعد عشرات السنين.
وأكد أن المسألة لا تتعلق بالرد على استهداف جرافة أو بإيجاد تبرير لعملية عسكرية، معتبرا أن ما يحصل يأتي في إطار تنفيذ مخطط تعمل عليه الدولة العبرية منذ زمن طويل.
وقال ترشيشي إنه يخشى أن يكون هذا المسار، في الحد الأدنى، تمهيدا لاحتلال طويل الأمد، وربما يؤدي لاحقا إلى إحداث تغيير ديموغرافي في منطقة الجنوب، مشيرا إلى أن التدمير الإسرائيلي مرشح للاستمرار. واعتبر أن موقف حزب الله من الرد لا يزال غير واضح، ولا توجد مؤشرات حتى الآن إلى أنه يتجه نحو رد قد يؤدي إلى اندلاع حرب جديدة.
ورجح أن تقتصر أي ردود محتملة على عمليات محدودة، أو ألا يكون هناك رد أساسا، مع مواصلة النهج الذي يتبعه الحزب حاليا والقائم على عدم الرد، والالتزام، وفق ما يعلنه، بمذكرة إسلام آباد التي دعت إلى وقف إطلاق النار على مختلف الجبهات في المنطقة، بما فيها لبنان.
واعتبر ترشيشي أن الوضع مفتوح على كل الاحتمالات، سواء في الجنوب أو في المنطقة، مشيرا إلى اعتقاده بأن لبنان لن يحصل على أي انسحاب إسرائيلي، أقله حتى انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، سواء تأجلت أو حصلت في موعدها.
ورأى أن إسرائيل تعلن يوميا أنها لا تنوي الانسحاب، بل تتباهى بأنها لن تنسحب من أي متر مربع في ما سمي بالمنطقة التجريبية الأولى التي أعلنت أنها أنجزتها، لافتا إلى أن البلدات التي انتشر فيها الجيش الإسرائيلي لم تكن محتلة على الإطلاق.
وبناء على ذلك، شدد ترشيشي على أن المطلوب ربما يكون من السلطة اللبنانية السعي لدى الراعي الأميركي من أجل تنفيذ وعوده وتعهداته برعاية تطبيق اتفاق الإطار، بما يؤدي إلى إنهاء حالة الحرب في الجنوب، وانسحاب إسرائيل، وعودة السيادة اللبنانية الكاملة على المنطقة الجنوبية.
في الجنوب، لا كلمة أخيرة بعد. إسرائيل ترفع سقف الضغط، وحزب الله أمام اختبار الخيارات. فهل يبقى التصعيد مضبوطا، أم تكون الضربة المقبلة شرارة لمسار أكثر خطورة؟