July 28, 2026   Beirut  °C
سياسة

الباحث السياسي الدكتور عبد القادر نائل: نفط العراق إلى طرابلس يصطدم بـ "العقدة الإيرانية"

من بغداد، عاد ملف النفط اللبناني - العراقي إلى الواجهة، مشروع قديم يعاد طرحه اليوم بغطاء سياسي جديد، مع إعادة فتح النقاش حول خط أنبوب النفط الممتد من العراق مرورا بسوريا وصولا إلى لبنان ومصفاة طرابلس.

زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى العاصمة العراقية أعادت تسليط الضوء على طرابلس كمحطة محتملة في هذا المسار، وفتحت الباب أمام بحث مشروع يحمل رهانات اقتصادية للشمال اللبناني، لكن بين الطموح والتنفيذ تبقى أسئلة كثيرة: هل نحن أمام بداية مسار فعلي، أم مجرد خطوة سياسية؟

سلام وصل إلى بغداد على رأس وفد وزاري ضم وزير المالية ياسين جابر، ووزير الطاقة والمياه جو صدي، ووزير الاتصالات شارل الحاج، حيث كان في استقباله لدى وصوله إلى مطار بغداد وزير المالية العراقي فالح ساري، وسط مراسم استقبال رسمية.


الزيارة أعادت تسليط الضوء على خط أنبوب النفط الممتد من العراق مرورا بسوريا وصولا إلى لبنان، وعلى الدور الذي يمكن أن تلعبه مصفاة طرابلس في حال إعادة تفعيلها، بعدما بقي هذا الملف لسنوات في دائرة البحث.


وفي هذا السياق، قال الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور عبد القادر نائل إن زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى بغداد وضعت ملف النفط بقوة على طاولة البحث، مشيرا إلى أنه حتى الآن لا يوجد "اتفاق شراكة" موقع بين الطرفين.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن ما تحقق هو فتح باب النقاش وتثبيت أولوية سياسية مشتركة بين لبنان والعراق، تمهيدا للبحث في الخطوات المقبلة المتعلقة بالتعاون النفطي.


وعما إذا كانت الزيارة قد فتحت باب الشراكة النفطية، وما إذا كانت طرابلس خيارا جديا، أوضح نائل أن الباب فتح سياسيا، بعدما بات ملف خط أنبوب النفط الممتد من العراق مرورا بسوريا وصولا إلى لبنان ومصفاة طرابلس جزءا من النقاش الرسمي بين الجانبين.


ولفت إلى أن رئيس الحكومة نواف سلام استقبل في 24 كانون الأول 2025 الموفد الخاص لرئيس الوزراء العراقي إحسان العوادي، حيث بُحث ملف خط أنبوب النفط الممتد من العراق مرورا بسوريا وصولا إلى لبنان ومصفاة طرابلس، مشيرا إلى أن سلام شدد على أن هذا الملف يشكل أولوية للحكومة اللبنانية، لما له من دور محتمل في إعادة تفعيل مصفاة طرابلس، وخلق فرص عمل للشباب، وتعزيز الحركة الاقتصادية في الشمال.


أما من الجانب العراقي، فأكد نائل أن بغداد تدرس الموضوع بجدية، إذ تبحث وزارة النفط العراقية إمكان تصدير النفط عبر مرفأ طرابلس اللبناني، مع تشكيل لجنة مشتركة لتقييم وضع خط الأنابيب، فيما كشف نائب رئيس الوزراء ووزير النفط العراقي حيان عبد الغني عن دراسة مقترحات للتصدير عبر خطي بانياس السوري وطرابلس اللبناني. وبالتالي، فإن طرابلس موجودة فعلا ضمن الخيارات العراقية، وليست مجرد طرح إعلامي، لكنها، في الوقت نفسه، واحدة من مسارات عدة يدرسها العراق لتنويع منافذ تصدير النفط. ويندرج مسار طرابلس ضمن توجه عراقي أوسع لدراسة مسارات استراتيجية جديدة لخطوط الأنابيب، بينها مسار "البصرة - حديثة – بانياس"، بهدف تعزيز خيارات التصدير وتنويعها بعيدا عن الاعتماد على المسارات التقليدية مثل مضيق هرمز وجيهان.


وعما إذا كانت الزيارة أفضت إلى خطوات عملية، وما إذا كان خط النفط بات جاهزا للتشغيل، أوضح أن لا خطوات تنفيذية مباشرة حتى الآن، وأن الطريق لا يزال طويلا قبل الوصول إلى مرحلة إعادة التشغيل، مشيرا إلى أن أبرز ما خرج من اللقاء اللبناني - العراقي هو تثبيت الموقف السياسي، إذ أبدى العراق استعداده للمساهمة في إعادة إعمار لبنان، فيما وضع لبنان ملف النفط ضمن أولوياته. لكن في المقابل، لم يوقع أي اتفاق فني أو مالي ملزم، وبقي الملف في إطار "البحث" و"التشديد على الأولوية".


ولفت نائل إلى أن العقبات الأساسية لا تزال قائمة، وفي مقدمها وضع خط الأنابيب نفسه، فهو متوقف منذ سنوات ويحتاج إلى إعادة تأهيل كاملة، كما أن مروره عبر سوريا يتطلب اتفاقا وتنسيقا ثلاثيا بين العراق وسوريا ولبنان، موضحا أن العراق شكل لجنة لتقييم وضع الخط، كما تُوجه نحو إعداد دراسات جدوى فنية ومالية لمسارات تصدير محتملة، من بينها مسار "البصرة - حديثة – بانياس"، لكن من دون أي التزامات مالية أو تعاقدية نهائية حتى الآن. وفي لقاء بغداد الأخير على هامش القمة العربية في 17 أيار 2026، ركز الطرفان على مواصلة التعاون والتنسيق عبر اللجنة الوزارية العليا المشتركة، وعلى الدعم السياسي للملف، من دون الإعلان عن جدول زمني واضح أو تمويل لإعادة تشغيل المصفاة أو الأنبوب.


الخلاصة، بحسب نائل، فإن الملف لا يزال في مرحلة الدراسات والنوايا السياسية، ولم ينتقل بعد إلى مرحلة إعادة التشغيل الفعلية.


وعن المكاسب التي يمكن أن يحققها العراق في حال إعادة تفعيل خط النفط ووصوله إلى منشآت طرابلس، أوضح نائل أن بغداد تنظر إلى هذا المسار من ثلاث زوايا أساسية. أولا، تنويع منافذ التصدير وتقليل المخاطر، إذ يعتمد العراق حاليا بشكل أساسي على منافذ الخليج ومضيق هرمز، إضافة إلى خط جيهان عبر تركيا، فيما يشكل مسار العراق - سوريا - لبنان منفذا إضافيا نحو البحر المتوسط، بما يخفف من تداعيات أي اضطرابات قد تطال طرق الشحن التقليدية. ثانيا، فتح أسواق جديدة وتعزيز خيارات التسويق، إذ إن وصول النفط الخام أو منتجات مصفاة طرابلس إلى المتوسط قد يسهل الوصول إلى أسواق أوروبا وحوض المتوسط، إضافة إلى إمكان تزويد السوق اللبنانية مباشرة وتقليل كلفة النقل البحري. ثالثا، تعزيز الدور الجيوسياسي والاقتصادي للعراق، إذ إن تشغيل هذا المسار يمكن أن يساهم في تعزيز التكامل الاقتصادي العربي، ومنح بغداد دورا أكبر كمحور طاقة يربط الخليج بالمتوسط، إضافة إلى تقوية العلاقات الاقتصادية مع لبنان وسوريا.


وقال نائل إن الباب فتح سياسيا، وإن النية موجودة لدى الطرفين، فيما تطرح طرابلس كخيار جدي ضمن الدراسات التي يقوم بها العراق. لكن على المستوى العملي، لا يزال المشروع في مراحله الأولى، إذ لا اتفاق تشغيل أو تمويل أو جدول زمني محدد حتى الآن، موضحا أن إعادة تأهيل خط نفطي يمتد مئات الكيلومترات ويمر عبر ثلاث دول تشكل تحديا بحد ذاته، وتحتاج إلى ترتيبات فنية ومالية وسياسية قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.


وفي قراءته للعوائق السياسية، اعتبر أن ما وصفه بـ "الهيمنة الإيرانية على القرار السياسي في العراق" يشكل عائقا أمام تنفيذ الاتفاق، معتبرا أن المشروع سيصب في مصلحة الحكومة اللبنانية ويعزز من حضورها على حساب حزب الله، وهو ما لا تريده إيران، بحسب رؤيته.


وأشار نائل إلى أن هذا الأمر يشكل، من وجهة نظره، أحد المعوقات الأساسية أمام الانتقال إلى التنفيذ العملي للمشروع الذي يهدف إلى خدمة الشعبين العراقي واللبناني، لافتا إلى أن العراق لا يزال في مرحلة "اتفاقية المبادئ" الخاصة بدراسة مسار البصرة - بانياس، وهي المرحلة التي ستحدد لاحقا ما إذا كانت طرابلس ستدخل ضمن المرحلة الأولى من المشروع أم لا.


في المحصلة، عادت طرابلس إلى خارطة الاحتمالات النفطية، ومعها عاد الأمل بإحياء دورها الاقتصادي، لكن بين الحلم والواقع مسافة لا تختصر إلا بالتمويل، والتفاهمات، والقرار السياسي. فهل ينتقل هذا المشروع قريبا من مرحلة الدراسات إلى التنفيذ، أم يبقى رهنا بالوعود والتفاهمات؟