اكتسبت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى العراق أهمية استثنائية لاعتبارين رئيسيين، لا سيما بعدما كشف أن المباحثات لم تقتصر على تعزيز العلاقات الثنائية، بل تناولت مشاريع استراتيجية تهدف إلى إعادة ربط لبنان بمحيطه العربي وتحويله إلى منصة إقليمية للطاقة، عبر البحث في ربطه بخط البصرة - طرابلس، وتشكيل لجنة فنية لبنانية - عراقية لمتابعة المشروع، إلى جانب إعادة تأهيل البنى التحتية النفطية وتعزيز التعاون في مجالات الكهرباء والاتصالات.
ويتمثل الاعتبار الأول في أن الزيارة جاءت إلى دولة ظلت، منذ سقوط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في العام 2003، تصنف ضمن دائرة النفوذ الإيراني، إلا أنها تشهد في المرحلة الأخيرة تحولات سياسية لافتة، لا سيما مع تولي علي الزيدي رئاسة الحكومة، واعتماد نهج يهدف إلى تعزيز سلطة الدولة وترسيخ سيادتها، من خلال السعي إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية ومكافحة الفساد، وهي عناوين تتقاطع إلى حد كبير مع التحديات التي يواجهها لبنان ومسار استعادة الدولة لقرارها ومؤسساتها.
أما الاعتبار الثاني، فيتعلق بالشق الاقتصادي، إذ بحث الرئيس سلام والوفد المرافق مع المسؤولين العراقيين ملف النفط وآفاق تطوير التعاون في قطاع الطاقة، وهو ملف يكتسب أهمية استراتيجية بالنسبة إلى لبنان، سواء لناحية استمرار التعاون القائم أو من خلال البحث في مشاريع مستقبلية، وفي مقدمها ربط لبنان بخط البصرة - طرابلس، بما يتيح نقل النفط العراقي إلى المرافئ اللبنانية والاستفادة من قدرات التخزين وإعادة التصدير، بالتوازي مع إعادة تأهيل الخزانات وتطوير البنية التحتية اللازمة. ومن شأن نجاح هذه المشاريع أن ينعكس إيجابا على الاقتصاد اللبناني، عبر تنشيط حركة المرافئ، وزيادة إيرادات الخزينة، وتعزيز موقع لبنان كممر إقليمي لقطاع الطاقة.
وفي قراءة لأبعاد زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى العراق، وما يمكن أن تفضي إليه من نتائج على المستويين السياسي والاقتصادي، رأى الصحافي والمحلل السياسي يوسف دياب أن الزيارة تندرج في إطار العلاقات التاريخية والمستمرة بين البلدين، مؤكدا أنها ليست الأولى من نوعها، إذ درج رؤساء الحكومات اللبنانيون، إلى جانب مسؤولين رسميين وقادة أجهزة أمنية، على زيارة بغداد في إطار التنسيق والتعاون القائم بين الجانبين.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن العراق لم يتأخر يوما في الوقوف إلى جانب لبنان، لا سيما خلال أزمتي النفط والكهرباء، من خلال تقديمه كميات من النفط ساهمت في التخفيف من حدة الأزمة، معتبرا أن لبنان لا يزال في حاجة إلى استمرار هذا الدعم، خصوصا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها.
وأوضح دياب أن أحد أبرز الملفات التي حظيت بالاهتمام خلال الزيارة يتمثل في إعادة تفعيل مشروع نقل النفط العراقي إلى مصفاة طرابلس، عبر إعادة تأهيل وصيانة أنابيب النفط، بما يسمح باستئناف ضخ النفط بكلفة أقل وسرعة أكبر، لافتا إلى أن هذا الملف شهد تقدما ملحوظا، بدليل زيارة وزير الطاقة جو صدي إلى العراق لمتابعة الجوانب الفنية المتعلقة بصيانة الأنابيب واستئناف العمل بها. وأكد أن هذا المشروع يشكل محورا أساسيا في المباحثات الاقتصادية بين البلدين.
واعتبر أن أهمية الزيارة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تتعداه إلى البعدين السياسي والأمني، مشيرا إلى أن لبنان والعراق خضعا لعقود لنفوذ إيراني ترك انعكاسات سلبية على مؤسسات الدولة وأوضاعهما الداخلية، شأنهما شأن دول أخرى دفعت أثمانا باهظة نتيجة هذا النفوذ. ولفت إلى أن البلدين دخلا اليوم مرحلة جديدة عنوانها الحد من النفوذ الإيراني وتعزيز حضور الدولة، معتبرا أن العراق قطع أشواطا متقدمة في هذا المسار مقارنة بلبنان، سواء على صعيد مكافحة الفساد، حيث اتخذ إجراءات قضائية بحق وزراء ومسؤولين متورطين، أو على مستوى حصر السلاح بيد الدولة والحد من نفوذ الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران.
وقال دياب إن الحكومة العراقية أظهرت جدية في هذا المسار، وهو ما انعكس أيضا في النقاشات التي قام بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع المسؤولين الإيرانيين خلال زيارته الأخيرة إلى طهران، والتي جاءت عقب زيارته إلى واشنطن، في إطار مقاربة جديدة تقوم على ترسيخ سيادة الدولة وإعادة تنظيم العلاقة مع مختلف القوى المؤثرة، مؤكدا أن التجربة العراقية تحمل دروسا مهمة للبنان في مسار استعادة الدولة لقرارها وسيادتها، كما أن العراق يستطيع بدوره الاستفادة من التجربة اللبنانية في مجال الحريات العامة، بما يعزز بناء دولة المؤسسات والقانون في كلا البلدين.
وعليه، تبدو زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى بغداد أبعد من كونها محطة بروتوكولية، إذ تفتح الباب أمام مسار قد يعيد وصل لبنان بعمقه العربي عبر بوابة الاقتصاد والطاقة، في وقت يسعى فيه البلدان إلى تثبيت منطق الدولة وتعزيز مؤسساتها.