بدت مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري خلال أيام قليلة وكأنها تسير في اتجاهين مختلفين. ففي مقابلته مع "أساس ميديا"، رسم صورة لعلاقة متينة مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، كاشفا عن تواصل دائم بينهما وتنسيق سبق زيارة واشنطن وتلاها، بما أوحى بانسجام مع مسار الرئاسة في تثبيت وقف إطلاق النار واستكمال الانسحاب الإسرائيلي.
إلا أن حديثه اللاحق إلى صحيفة "الأخبار" أعاد التشديد على رفض أي تفاوض مباشر مع إسرائيل ورفض اتفاق الإطار، في موقف يطرح تساؤلات حول مدى انسجامه مع المسار التفاوضي الذي تقوده الدولة، لا سيما في ما يتصل بملف المناطق التجريبية في الجنوب، ويثير علامات استفهام بشأن حقيقة التموضع السياسي الذي اختاره في هذه المرحلة.
وعن التباين بين تصريحات بري الإعلامية، رأى الصحافي والكاتب السياسي نايف عازار أنه يعكس استمرار تموضع بري في "المنطقة الرمادية"، بما يجعله أقرب إلى حزب الله، مع حرصه، في الوقت نفسه، على عدم الابتعاد الكامل عن الدولة اللبنانية، مشيرا إلى أن المواقف التي اتسمت بالتفاؤل جاءت في أعقاب القمة اللبنانية - الأميركية، التي شهدت أجواء إيجابية وتبادلا غير مباشر للإشادات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس مجلس النواب. إلا أنه اعتبر أن حديث بري اللاحق إلى صحيفة "الأخبار" أكد مجددا أنه لا يزال يوازن بين موقعه التقليدي كحلقة وصل بين حزب الله والدولة اللبنانية، وبين علاقاته مع القوى الإقليمية والدولية، من دون أن يحسم خياره بصورة نهائية.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن بري لعب تاريخيا دور الوسيط بين حزب الله والدولة اللبنانية، وكذلك بين الحزب وجهات خارجية، إلا أنه لا يزال اليوم أقرب إلى محور حزب الله، مرجحا أن تكون اعتبارات سياسية وأمنية تحول دون ابتعاده أكثر، فضلا عن صعوبة خروجه من الفلك الإيراني في المرحلة الراهنة.
وفي المقابل، لفت عازار إلى أن بري وضع خطوطا حمراء أمام أي محاولة لإسقاط حكومة الرئيس نواف سلام، في مؤشر إلى رغبته في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والبقاء ضمن إطار الدولة، معتبرا أن هذا الموقف يتقاطع أيضا مع الموقف السعودي الرافض إسقاط الحكومة. وتحدث عن استمرار التواصل بين بري ومستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان.
وأكد أن بري سيواصل، على الأرجح، هذا التموضع الوسطي، لكنه لا يزال يرفض اتفاق الإطار، على الرغم من إعلانه تأييد أي مبادرة تؤدي إلى انسحاب إسرائيل ووقف إطلاق النار، معتبرا أن بري لم يصل بعد إلى مرحلة إعلان تأييده الصريح للاتفاق، إذ لا يزال أقرب إلى موقف حزب الله. وقال إن الخلاف الحقيقي لدى بري وحزب الله لا يكمن في مبدأ التفاوض مع إسرائيل، بل في الجهة التي تتولى هذا التفاوض.
واستدل عازار على ذلك بموافقة بري سابقا على اتفاق ترسيم الحدود البحرية، وكذلك على اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، عندما كانت الحكومة برئاسة نجيب ميقاتي وتحظى بنفوذ واسع لحزب الله، لافتا إلى أن المشكلة الحالية تكمن في رفض حزب الله وبري أن تتولى الدولة اللبنانية وحدها إدارة المفاوضات مع إسرائيل.
ورأى أن هذا الموقف يرتبط مباشرة بإيران، معتبرا أن القرار النهائي لا يزال بيد طهران، وأن قبول حزب الله وبري بأي اتفاق يبقى مرهونا بموافقتها. كما أشار إلى أن تعثر المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران يدفع الأخيرة إلى التشدد في الساحة اللبنانية عبر حلفائها، في إطار ربط الملف اللبناني بالملف النووي.
وعن الإشادات التي وجهها بري إلى المملكة العربية السعودية، لا سيما قوله إن "من تحبه السعودية يحبه العالم"، شدد عازار على أن رئيس مجلس النواب حافظ دائما على علاقة متوازنة مع الرياض، ولم ينخرط في أي حملة مباشرة ضدها، إدراكا منه للدور الذي لعبته المملكة في دعم الدولة اللبنانية منذ انتهاء الحرب الأهلية، بخلاف إيران التي تتعامل، بحسب وصفه، مع فصيل مسلح يتمثل بحزب الله، معتبرا أن بري يدرك أيضا أن السعودية ستكون من أبرز الدول القادرة على المساهمة في إعادة إعمار الجنوب، إلا أن ذلك لن يتحقق قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي وتسليم حزب الله سلاحه، لأن أي دولة لن تستثمر في إعادة إعمار منطقة تبقى عرضة لاندلاع حرب جديدة وتدمير ما يبنى فيها. كما اعتبر أن بري يعي الثقل السياسي والإقليمي للمملكة، ولذلك يحرص باستمرار على إبقاء قنوات التواصل معها مفتوحة، والحفاظ على علاقة مستقرة معها.
وفي معرض تعليقه على قول بري إنه "الشيعي الوحيد في العالم العربي الذي لم يتورط في الحرب السورية"، رأى أن هذا الموقف يحمل أكثر من رسالة سياسية، مشيرا إلى أن حزب الله انخرط عسكريا في الحرب السورية، في حين بقيت حركة أمل خارجها، وهو ما يحاول بري التأكيد عليه في هذه المرحلة. ورأى أن هذا التصريح قد يكون موجها أيضا إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، في ظل الحديث عن ضغوط أميركية على دمشق للانخراط في الملف اللبناني، مشيرا إلى أن الشرع أعلن أكثر من مرة رفضه التدخل في لبنان، كما أن مصادر سورية أكدت، بحسب رأيه، أن القيادة السورية تعتبر حزب الله ضعيفا عسكريا، ولا ترى حاجة إلى أي تدخل ضده.
وخلص عازار إلى أن بري يحاول، من خلال هذه الرسائل، فتح قنوات تواصل مع القيادة السورية الجديدة، وربما تهيئة نفسه للعب دور الوسيط إذا طرأت تطورات غير متوقعة، مستبعدا، في المقابل، حصول أي تدخل سوري في لبنان. ورجح أن يواصل رئيس مجلس النواب انتهاج سياسة "حمل العصا من الوسط"، بما يتيح له الحفاظ على توازنه بين الدولة اللبنانية وحزب الله.
وهكذا، توحي المواقف المتباينة لرئيس مجلس النواب نبيه بري بأنه يسعى إلى تحقيق توازن بالغ الدقة بين مسارين متوازيين. فمن جهة، يحرص على عدم فرط تحالفه مع حزب الله في ظل الانقسام الذي يعتري البيت الشيعي، ومن جهة أخرى، يحاول إعادة تموضعه سياسيا بالقدر الذي يتيح له مواكبة التحولات الإقليمية والدولية، واستيعاب متطلبات المرحلة الجديدة، بما لا يصطدم بالإدارة الأميركية ولا بالدول العربية، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، من دون أن يذهب إلى حد إحداث قطيعة مع حلفائه التقليديين.