بعد تأكيد تقارير استخباراتية وعسكرية أن فصائل مسلحة في العراق مدعومة من إيران أطلقت عشرات الطائرات المسيرة باتجاه دول خليجية، من بينها السعودية والإمارات والكويت، في سياق التصعيد المتواصل بين واشنطن وطهران، يبرز التساؤل حول ما إذا كانت إيران تسعى إلى إشراك أذرعها الإقليمية في المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة، لا سيما في ظل الضربات القاسية التي تتعرض لها. ويتزامن ذلك مع تحرك الحوثيين في اليمن وتهديداتهم بإغلاق مضيق باب المندب.
وفي لبنان، تطرح التطورات تساؤلات حول موقف حزب الله في حال اتسعت رقعة المواجهة، وما إذا كان أي قرار إيراني بدفعه إلى الانخراط في الحرب قد يفتح الباب أمام تداعيات خطيرة على لبنان.
وفي قراءته لمجريات التطورات الإقليمية وأبعادها، رأى الكاتب والمحلل السياسي سام منسى أن الحديث عن سعي إيران إلى توسيع الحرب العسكرية مع الولايات المتحدة ليس دقيقا بما يكفي، معتبرا أن ما تقوم به طهران يندرج في إطار ممارسة ضغوط على واشنطن عبر استهداف منشآت حيوية في دول عربية تعتبرها إيران حليفة أو شريكة للولايات المتحدة.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن إيران تحاول الضغط على ما وصفه بـ "الخاصرة الرخوة"، عبر استهداف دول مثل الكويت والبحرين، واستخدام أدوات مختلفة من بينها الحوثيون في اليمن، والفصائل المرتبطة بها في العراق، إضافة إلى المسيرات والصواريخ البالستية التي طالت بعض الدول، لافتا إلى أن الهدف الأساسي من هذه العمليات ليس بالضرورة استهداف تلك الدول بحد ذاتها، بل الضغط على الولايات المتحدة ودفعها إلى إعادة حساباتها.
وأشار منسى إلى أن هذه الاستراتيجية الإيرانية ليست جديدة، إذ سبق لطهران أن استخدمت هذه الوسائل لفترة طويلة من دون أن تحقق النتائج التي كانت تطمح إليها، مؤكدا أن التطورات الأخيرة تظهر تصاعدا في وتيرة الضربات الأميركية على إيران، التي تتعرض، بحسب رأيه، لضربات قاسية جدا.
ولفت إلى أن إيران، على الرغم من تعرضها لضغوط كبيرة، لا تزال تستخدم الأدوات نفسها، مع إضافة وسائل جديدة، مشيرا إلى أن التلويح بإغلاق مضيق باب المندب يندرج ضمن محاولات زيادة الضغط وإيجاد أوراق تفاوضية إضافية. واعتبر أن مجمل هذه التطورات يعكس أن الوضع الإيراني بات أكثر تعقيدا وحساسية.
وعن احتمال دخول حزب الله في مواجهة عسكرية مع إسرائيل في حال توسعت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، أكد منسى أن القرار في هذا الشأن سيكون إيرانيا بالدرجة الأولى، مشيرا إلى أن الحزب، كما في المرات السابقة، لن يكون صاحب القرار الكامل في مسألة المشاركة أو عدمها.
وقال إن التضحية بحزب الله في المرحلة الحالية بالنسبة إلى إيران تمثل "مقامرة" قد تنجح أو تفشل، موضحا أن خسارة الحزب عسكريا وشعبيا في لبنان ستؤدي إلى أضرار إضافية تطال البيئة الشيعية، التي تعرضت سابقا لخسائر كبيرة جراء المواجهات العسكرية. ورأى أنه من الصعب تصور قدرة الطائفة الشيعية في لبنان، سواء في الجنوب أو البقاع أو بيروت، على تحمل أعباء حرب جديدة، خصوصا وأن أي مواجهة مقبلة قد تكون أكثر شدة وعنفا من سابقاتها، معتبرا أن إيران لن تعطي الضوء الأخضر للحزب للانخراط في حرب جديدة ما لم يكن الوضع شديد الإلحاح.
وفي هذا السياق، رأى منسى أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال تقوم على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة. وقال إن أيا من الطرفين لا يريد قطع "شعرة معاوية" مع الآخر، مشيرا إلى أن هذا الأمر ينعكس في لبنان أيضا، وربما في العراق، حيث توجد، بحسب تعبيره، مساحة من المهادنة لا يمكن تجاهلها.
وفي شأن الوضع العراقي، اعتبر أن هناك خطوات حصلت في الفترة الأخيرة، من بينها حصر جزء كبير من السلاح بيد الدولة، إضافة إلى إجراءات مرتبطة بمكافحة الفساد، لافتا إلى أن من الصعب تحديد مدى ارتباط إيران بهذه التطوراتز وأشار إلى أن وجود دور إيراني محتمل يبقى أمرا واردا، موضحا أن المشهد داخل إيران نفسه يكتنفه الكثير من الغموض، إذ يصعب تحديد الجهة التي تصدر القرار الفعلي، في ظل احتمال وجود مراكز نفوذ عدة، سواء داخل الحرس الثوري أو ضمن مؤسسات أخرى. وقال إن هذا الغموض ينعكس على حلفاء إيران، الذين يجدون أنفسهم في حالة ارتباك وعدم وضوح بشأن الخيارات المقبلة.
ورأى منسى أن طبيعة القيادة الإيرانية الحالية لا تزال غير واضحة، سواء لناحية وحدة القرار أو تعدد مراكز القوة، مؤكدا أن المعطيات المتوافرة حول تأثير الضربات العسكرية على إيران ونتائجها الميدانية تبقى محدودة، ما يجعل قراءة المرحلة المقبلة أمرا بالغ الصعوبة.
وفيما تبقى المنطقة على وقع رسائل النار المتبادلة بين واشنطن وطهران، يبدو أن السؤال الأبرز لم يعد فقط حول قدرة إيران على تحريك أذرعها، بل حول الثمن الذي قد تدفعه هذه الأذرع في حال انتقلت المواجهة من ساحات الضغط إلى حرب مفتوحة. وبينما تحاول طهران استخدام أوراقها الإقليمية لتحسين موقعها التفاوضي، يبقى لبنان أمام اختبار بالغ الخطورة، إذ إن أي قرار بفتح جبهة جديدة قد لا يؤدي فقط إلى تعميق أزماته المتراكمة، بل قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الدمار والخراب، تعيد البلاد سنوات إلى الوراء وتحمل اللبنانيين أثمان صراعات تتجاوز حدودهم.