عقد النواب السنة، الخميس، اجتماعا في مجلس النواب خصص لبحث تداعيات الجلسة التشريعية الأخيرة التي شهدت سجالا سياسيا واسعا حول اقتراح قانون العفو العام وبديل عقوبة الإعدام، لا سيما بعد انسحاب نواب تكتل "الجمهورية القوية" من الجلسة.
ويأتي الاجتماع في ظل تصاعد التباينات بشأن الصيغة النهائية للقانون. وبحسب المعلومات، اقتصر الاجتماع على مناقشة اقتراحات تتعلق بقانون العفو وبديل عقوبة الإعدام من دون التوصل إلى صيغة نهائية مشتركة، فيما طرح عدد من النواب اعتماد محضر الاجتماع مع رئيس الحكومة نواف سلام، الذي يقضي بحذف عبارة "المشدد" من عقوبة السجن المؤبد البديلة لعقوبة الإعدام، بما يتيح توسيع دائرة المستفيدين من القانون، لا سيما بعض الموقوفين الإسلاميين، مع الاتفاق على تشكيل لجنة من 4 نواب لاستكمال المشاورات وتثبيت خطوط حمراء غير قابلة للتفاوض في أي تسوية مقبلة.
وتوضيحا لمجريات الاجتماع الذي عقده النواب السنة، وما أثير حول مداولاته والاقتراحات التي نوقشت بشأن قانون العفو العام وبديل عقوبة الإعدام، أكد النائب الدكتور بلال الحشيمي أن النقاشات التي حصلت بشأن اقتراحات قانون العفو العام وبديل عقوبة الإعدام شهدت تباينا في وجهات النظر، إلا أنها انطلقت من القاعدة التي أرست خلال الاجتماع الذي عقد مع رئيس الحكومة نواف سلام، والذي وصفه بـ "المنتج"، مشيرا إلى أن الاجتماع استمر نحو ساعة ونصف الساعة، وشهد نقاشا معمقا أظهر وجود نية جدية لإقرار قانون العفو العام.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن أبرز النقاط التي اتُفق عليها خلال الاجتماع تمثلت في حذف كلمة "المشدد" من عبارة "الأشغال الشاقة المؤبدة"، معتبرا أن الإبقاء عليها يفرغ قانون العفو العام من مضمونه ويؤثر سلبا على المستفيدين منه. وأشار إلى أن معظم الدول التي ألغت عقوبة الإعدام اعتمدت عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة من دون إضافة وصف "المشددة"، لافتا إلى أن الرئيس نواف سلام كان واضحا في تأييده حذف هذه الكلمة لما لها من انعكاسات مباشرة على تطبيق قانون العفو.
وقال الحشيمي إن إدراج عبارة "الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة"، وفق ما ورد في التقرير الذي أعده النائب جورج عدوان، يعني أن المحكومين الذين خففت عقوباتهم من الإعدام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة لن يستفيدوا من أي تخفيضات أو أحكام واردة في قانون العفو العام، موضحا أن العقوبة المؤبدة المنصوص عليها في قانون العفو العام تعادل عمليا 17 سنة سجنية، ما يتيح الإفراج عن عدد كبير من الإسلاميين، في حين أن الإبقاء على كلمة "المشدد" سيحصر الاستفادة بعدد محدود لا يتجاوز 30 أو 40 شخصا، فيما سيبقى الآخرون في السجن سنوات إضافية قد تصل إلى 10 أو 15 سنة.
وأشار إلى أن إسقاط الحق الشخصي كان أيضا من بين المطالب الأساسية، لأنه يؤثر بدوره على فعالية قانون العفو العام، موضحا أنه اتُفق على استثناء مرتكبي الجرائم الخطيرة، لا سيما جرائم القتل العمد والاغتصاب وغيرها من الجرائم الجسيمة، من الاستفادة من العفو.
وفي ما يتعلق بملف الموقوفين، أوضح الحشيمي أن الطرح الأساسي كان يقضي باعتبار مدة 12 سنة سقفا للاستفادة، إلا أن المفاوضات أفضت إلى طرح مدة 14 سنة، قبل أن يقترح رئيس الحكومة اعتماد الطرحين معا والعمل لاحقا للوصول إلى مدة 12 سنة إذا أمكن، مؤكدا أن هذه النقاط شكلت الأساس الذي بني عليه الاجتماع الأخير بهدف التوصل إلى صيغة متوازنة تضمن حضورا موحدا للنواب السنة داخل الجلسة، وتمهد لإقرار قانون يسهم في رفع ما وصفه بالمظلومية التي لحقت بالإسلاميين نتيجة أحكام صادرة عن المحكمة العسكرية اعتبرها استنسابية وظالمة بحق الطائفة السنية.
وكشف أن عدد النواب السنة الذين حضروا الاجتماع بلغ 21 نائبا، موضحا أن غياب بعض النواب كان لأسباب تتعلق بالسفر أو ارتباطات خاصة، وليس بسبب خلاف على مضمون الاجتماع. وقال إن الدعوة جاءت بصورة سريعة بهدف منع حدوث شرخ داخل الساحة السنية، معتبرا أن بعض المواقف، لا سيما الصادرة عن حزب القوات اللبنانية، ساهمت في إعطاء انطباع بوجود انقسام بين النواب السنة، وهو ما استدعى عقد الاجتماع لتوحيد الموقف.
وأعرب الحشيمي عن تفاؤله بإمكان إقرار القانون، مؤكدا أن الهدف الأساسي يتمثل في رفع الظلم عن شريحة من السجناء، من بينهم الشيخ أحمد الأسير، الذين أمضوا سنوات طويلة في السجون أو خضعوا لمحاكمات وصفها بغير العادلة، إضافة إلى موقوفين بقوا سنوات من دون محاكمة. واعتبر أن هذا الواقع يتعارض مع مبادئ العدالة، خصوصا وأن بعضهم خرج بعد سنوات طويلة ليتبين أنه بريء.
وشدد على أن معالجة هذا الملف لا ترتبط بالأسماء أو الانتماءات، وإنما تهدف إلى إزالة الظلم الذي وقع في مراحل سابقة، موضحا أن قانون العفو العام لا يمكن فصله عن قانون إلغاء عقوبة الإعدام، لأن القانونين مترابطان. وأعرب عن اعتقاده بأن إقرارهما بصيغتهما المتكاملة قد يؤدي إلى الإفراج عن نحو 83 إلى 85 شخصا من أصل 103، فيما سيبقى عدد محدود لفترات إضافية تختلف باختلاف أوضاعهم القانونية.
وأكد الحشيمي أن نجاح هذا المسار يتطلب حضورا فاعلا للنواب السنة داخل مجلس النواب للدفاع عن قضاياهم تحت قبة البرلمان، معتبرا أن القضايا التي تخص الطائفة لا يمكن معالجتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو البيانات الإعلامية، وأن كل القوى السياسية تتحرك وفق مصالحها الخاصة. ولفت إلى أن ملف العفو العام لا يقتصر على الإسلاميين، بل يشمل أيضا قضايا تتعلق بالمخدرات والعملاء الموجودين في إسرائيل، ما يجعله ملفا وطنيا يطال مختلف المكونات اللبنانية، الأمر الذي يفرض التوصل إلى توافق سياسي لإقفال صفحة من الماضي وفتح مرحلة جديدة.
وشدد على أن إقفال هذا الملف يجب أن يترافق مع إصلاحات قضائية جدية، داعيا إلى تعزيز الشفافية والرقابة في عمل القضاء، وحصر اختصاص المحكمة العسكرية بالعسكريين فقط، وعدم محاكمة المدنيين أمامها. ورأى أن هذه الإصلاحات تشكل جزءا أساسيا من أي مقاربة متكاملة لتحقيق العدالة.
ويبقى إقرار قانون العفو العام رهنا بمدى قدرة القوى السياسية على التوصل إلى صيغة توافقية تراعي هواجس الطائفة السنية، وتؤمن معالجة ما تعتبره مظالم لحقت بعدد من الموقوفين والمحكومين خلال السنوات الماضية، بعيدا عن الحسابات السياسية، بما يفتح الباب أمام إقفال هذا الملف والانتقال إلى مرحلة جديدة قائمة على العدالة والإصلاح القضائي.