في ظل تصاعد الحراك الدبلوماسي الهادف إلى تثبيت وقف إطلاق النار واستكمال تنفيذ التفاهمات الأمنية في جنوب لبنان، تتجه الأنظار إلى جولة المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل في الرابع من آب المقبل في روما، والتي ستُعقد على مستوى السفراء برعاية ووساطة أميركيتين، وسط ترقب لما قد تحمله من تقدم في الملفات العالقة، وفي مقدمها الانسحاب الإسرائيلي من النقاط التي لا تزال إسرائيل تحتلها في الجنوب، إلى جانب استكمال البحث في الترتيبات الأمنية وآليات تنفيذ الاتفاقات القائمة.
وتكتسب هذه الجولة أهمية مضاعفة، لأنها تأتي عقب اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، والذي اعتُبر محطة مفصلية أظهرت مستوى غير مسبوق من الدعم الأميركي للعهد الجديد والدولة اللبنانية، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة واشنطن على ترجمة هذا الدعم إلى خطوات عملية تدفع مسار المفاوضات نحو نتائج ملموسة، ولا سيما عبر الضغط على إسرائيل لتنفيذ انسحابات إضافية من المناطق التي تحتلها في الجنوب.
وفي هذا السياق، قال الكاتب والصحافي في جريدة "نداء الوطن" ألان سركيس إن لقاء روما يندرج ضمن سلسلة اللقاءات التي بدأت في واشنطن، مرورًا باتفاق الإطار، ثم محادثات روما التي عُقدت يومي 14 و15 تموز، معتبرًا أن هذا المسار أطلقه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عبر اعتماد نهج التفاوض المباشر، بعد نجاح مبادرته، وصولًا إلى اتفاق الإطار، وربما مستقبلًا إلى السلام.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن أهمية الاجتماع المرتقب في روما تنبع أيضًا من كونه يأتي بعد اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس جوزاف عون في البيت الأبيض، واصفًا إياه بـ"التاريخي"، لما حمله من دلالات سياسية كبيرة، أبرزها وجود دعم أميركي واسع للعهد الجديد، والحكومة اللبنانية، والسلطة الشرعية في لبنان.
وأضاف أن اللقاء كشف أيضًا اطلاع الرئيس ترامب على أدق تفاصيل الملف اللبناني، ورسم خطين أساسيين: الأول يتعلق بالحفاظ على سيادة لبنان من خلال الدفع نحو الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، والثاني يرتبط بإنهاء النفوذ الإيراني في لبنان وتحريره من الوصاية الإيرانية، معتبرًا أن ذلك سينعكس في المرحلة المقبلة بمزيد من الضغوط الأميركية لاستعادة سيادة الدولة اللبنانية، فضلًا عن تداعيات عسكرية وأمنية واقتصادية، من بينها استئناف الرحلات الجوية بين الولايات المتحدة ولبنان، الذي عده مؤشرًا مهمًا على عودة الثقة.
واعتبر سركيس أن كل هذه المعطيات تؤكد أن لبنان عاد إلى المظلة الأميركية والعربية والدولية، وأن قطار الحل قد انطلق بالفعل، ما يجعل المفاوضات المقبلة أكثر حظًا بالنجاح من سابقاتها، رغم أن الوصول إلى النتائج يحتاج إلى وقت، خصوصًا في ظل تمسك إسرائيل بربط انسحابها من الجنوب بإنهاء وجود سلاح "حزب الله" في تلك المنطقة.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة تبدو ضامنة لحدود لبنان وسيادته ووحدة أراضيه، مؤكدًا أنه لا توجد، بحسب قراءته، أطماع استيطانية إسرائيلية في جنوب لبنان، بل إن الهدف الإسرائيلي يتمثل في ضمان أمنه. ومن هذا المنطلق، رأى أن لقاء روما سيبحث في التفاصيل الدقيقة للاتفاقات المطروحة، وسيؤسس لمرحلة جديدة من التعاون والتنسيق بين لبنان وإسرائيل، في إطار تطبيق الاتفاقات القائمة، مشددًا على أن الضمانة الأميركية تبقى العامل الأساسي الذي أوصل المفاوضات إلى هذه المرحلة.
وفي المقابل، شدد سركيس على أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطًا بما سيجري على الأرض، داعيًا إلى ترقب رد فعل "حزب الله"، وما إذا كان سيختار التصعيد وفتح مواجهة جديدة، لأن أي حرب جديدة، بحسب رأيه، من شأنها إسقاط كل المشاريع التجريبية المطروحة حاليًا. كما أشار إلى أهمية متابعة مدى تعاون الدولة اللبنانية وسرعتها في تنفيذ التزاماتها، معتبرًا أن لبنان لا يستطيع تقديم تعهدات أمام الولايات المتحدة من دون ترجمتها عمليًا.
وأضاف أن المفاوضات ستستمر بين الدولة اللبنانية وإسرائيل برعاية أميركية، إلا أن نجاحها سيبقى مرهونًا بالتطورات الميدانية، ولا سيما في المناطق النموذجية التي تشكل، وفق وصفه، الاختبار الحقيقي لهذا المسار. فإذا نجحت الدولة اللبنانية في إثبات قدرتها على فرض سلطتها، فإن فرص التقدم في المفاوضات ستزداد.
وأكد سركيس أنه لا يتوقع أي انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان قبل معالجة ملف سلاح "حزب الله"، معتبرًا أن الكرة أصبحت اليوم في الملعب اللبناني، وتحديدًا لدى رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي قال إن رئيس الجمهورية كان يضعه في أجواء كل ما كان يقوم به خلال زيارته إلى واشنطن، مشيرًا إلى أن الغطاء السياسي أصبح متوافرًا، إلا أن المطلوب اليوم هو توفير الغطاء اللازم للجيش اللبناني للتحرك على الأرض، والبدء بتنفيذ مهمة نزع سلاح "حزب الله".
ورأى أن المفاوضات ستبقى الأداة الأساسية للتوصل إلى الحلول، حتى في حال اندلاع أي مواجهة، لأن الحروب تنتهي، في نهاية المطاف، إلى طاولة المفاوضات، موضحًا أن الدولة اللبنانية تسعى من خلال هذا المسار إلى تجنيب البلاد حربًا جديدة، معتبرًا أن هذه المفاوضات تحظى أيضًا بغطاء غير معلن من رئيس مجلس النواب نبيه بري، ليبقى الامتحان الحقيقي في كيفية انتشار الجيش اللبناني، وتطبيق الخطة في المناطق النموذجية، ومدى استعداد إسرائيل للتجاوب مع ذلك.
وهكذا، تتجه الأنظار إلى جولة الرابع من آب في روما بوصفها اختبارًا جديًا لقدرة الوساطة الأميركية على إحداث خرق في أحد أكثر الملفات تعقيدًا، وهو الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة. فإذا نجحت واشنطن في ترجمة دعمها السياسي للبنان إلى ضغوط فعلية على تل أبيب، فقد تشكل هذه الجولة بداية مرحلة جديدة تُقرّب تنفيذ الالتزامات الميدانية، وتفتح الباب أمام تثبيت الاستقرار في الجنوب، ودفع مسار التفاوض قدمًا.