July 21, 2026   Beirut  °C
سياسة

لبنان في صلب الاجتماع الوزاري الفرنسي – الألماني.. وكمال طربيه: عون سيطرح على ترامب قوة أممية بدل اليونيفيل

أسفر الاجتماع الأمني الفرنسي - الألماني، الذي ترأسه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريتش ميرتس، عن إطلاق مبادرة دبلوماسية وأمنية جديدة لدعم الاستقرار في لبنان، ترتكز على تعزيز دور الدولة ومؤسساتها الأمنية، ومواكبة الجهود الرامية إلى بسط سيادتها على كامل أراضيها.

وبحسب ما أعلن عقب الاجتماع، تؤكد باريس وبرلين دعمهما للدولة اللبنانية في مسار بسط سلطتها ونزع سلاح حزب الله، بالتوازي مع طرح فكرة إنشاء بعثة أمنية أوروبية تتولى مهام قوات "اليونيفيل" مستقبلا، بما يحول دون نشوء أي فراغ أمني على الحدود الجنوبية.

وتشمل المبادرة ثلاثة محاور رئيسية: تعزيز قدرات الجيش اللبناني عبر التدريب والدعم والمشورة، ودعم إجراءات ضبط الحدود ومنع تهريب الأسلحة وترسيخ سيادة الدولة، إضافة إلى تحريك المسار الدبلوماسي لتثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف لاستكمال المفاوضات بما يراعي المصالح الأمنية للبنان وإسرائيل.


وفي قراءة لأبعاد المبادرة الفرنسية - الألمانية وانعكاساتها على لبنان، رأى رئيس التجمع اللبناني في فرنسا الصحافي كمال طربيه أن الاجتماع الوزاري الفرنسي - الألماني المشترك، الذي انعقد في ألمانيا، يندرج في إطار تقليد سياسي ودبلوماسي قائم منذ سنوات بين البلدين، ولا يقتصر على مناقشة الملف اللبناني أو قضايا الشرق الأوسط، بل يهدف إلى تنسيق السياسات الفرنسية والألمانية في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ورسم رؤية مشتركة تجاه القضايا الأوروبية والدولية، موضحا أن جدول أعمال الاجتماع تناول ملفات داخلية وأخرى خارجية، واحتل الملف اللبناني موقعا متقدما ضمن الشق المتعلق بالسياسة الخارجية، نظرا للتطورات التي يشهدها جنوب لبنان، وما يرتبط بها من تحديات أمنية وسياسية تتطلب تنسيقا أوروبيا ودوليا.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن الاقتراح المتعلق بإنشاء قوة أممية بديلة لقوات "اليونيفيل" سبق أن ناقشه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع رئيس الجمهورية جوزاف عون في أكثر من مناسبة، مؤكدا أن لبنان يشجع هذه المبادرة لما تمثله من محاولة لتجنب أي فراغ أمني قد ينشأ على الحدود اللبنانية الإسرائيلية مع انتهاء ولاية قوات "اليونيفيل" أواخر العام الحالي.


وقال طربيه إن هذا الملف يحظى بأهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان، كما يشكل أولوية بالنسبة إلى الدول الأوروبية التي ترى أن الحفاظ على الاستقرار في جنوب لبنان يعد عنصرا أساسيا في حماية الأمن والسلم في المنطقة، لافتا إلى أن الدور الفرنسي في هذا الإطار يستند إلى العلاقات التاريخية والسياسية المتينة التي تربط باريس بلبنان، فيما تتمتع ألمانيا بنفوذ سياسي داخل إسرائيل، حيث تمتلك قدرة على التأثير في دوائر صنع القرار الإسرائيلية، وهو أمر يعود إلى اعتبارات تاريخية معروفة منذ الحرب العالمية الثانية.


كما أوضح أن المشروع لا يقتصر على التنسيق بين باريس وبرلين، بل يندرج ضمن مشاورات أوروبية أوسع تشمل عددا من الدول، وفي مقدمها إيطاليا، التي سبق لرئيسة وزرائها جورجيا ميلوني أن دعت أكثر من مرة إلى البحث عن صيغة بديلة لقوات "اليونيفيل".


وكشف طربيه أن الطرح الأوروبي يقوم على تشكيل قوة تضم في الأساس وحدات من دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا ودول أخرى، على أن تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة وتحصل على تفويض وشرعية أمميين، بما يضمن استمرار الدور الدولي في حفظ الاستقرار على الحدود الجنوبية للبنان، مشددا على أن العقبة الأساسية أمام هذا المشروع لا تزال تتمثل في غياب الموافقة الأميركية. وأوضح أن واشنطن لم تبد حتى الآن حماسا لهذا الخيار، في ظل الموقف الإسرائيلي الرافض لوجود أي قوة أممية بديلة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، مشيرا إلى أن الإدارة الأميركية كانت من أبرز الجهات الدافعة باتجاه إنهاء مهمة "اليونيفيل"، استجابة للموقف الذي تتبناه حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي ترفض استمرار أي وجود دولي من هذا النوع في المنطقة الحدودية.


وأكد أن فرنسا وألمانيا، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية، تواصل جهودها لإقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بجدوى هذا المشروع، انطلاقا من قناعة أوروبية بأن إنشاء قوة أممية أوروبية من شأنه أن يساهم في تثبيت الاستقرار في جنوب لبنان، ويوفر، في الوقت نفسه، ضمانات إضافية لأمن إسرائيل، وهي الحجة التي تعتمدها العواصم الأوروبية في اتصالاتها مع الإدارة الأميركية.


وأشار طربيه إلى أن الرئيس عون يعتزم، خلال لقائه المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، طرح أهمية إنشاء قوة أممية بديلة تتولى، بالتعاون مع الجيش اللبناني، المحافظة على الاستقرار في الجنوب ومنع حدوث أي فراغ أمني على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، في حال انتهاء مهمة قوات "اليونيفيل".


وفي معرض تقييمه للمشهد الميداني، اعتبر أن الأوضاع في جنوب لبنان لا تزال شديدة التعقيد، في ظل استمرار إسرائيل في التمسك بمواقفها المعلنة بعدم الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها، سواء في جنوب لبنان أو في الأراضي السورية، فضلا عن استمرار سيطرتها العسكرية على أجزاء من قطاع غزة، لافتا إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، إلى جانب مسؤولين إسرائيليين آخرين، أعلنوا في أكثر من مناسبة رفضهم الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، معتبرا أن هذه المواقف تعكس توجها إسرائيليا واضحا للإبقاء على الواقع الميداني القائم.


وقال طربيه إنه، على الرغم من تقارير تحدثت عن مطالبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إسرائيل بالانسحاب من جنوب لبنان وجنوب سوريا خلال الأشهر الستة المقبلة، فإن تحقيق الأمر يبقى رهنا بممارسة واشنطن ضغوطا فعلية على الحكومة الإسرائيلية، مؤكدا أن أي انسحاب لن يتحقق في غياب موقف أميركي حازم وملزم.


وأشار أيضا إلى أن المعطيات الواردة من جنوب لبنان تفيد بأن القوات الإسرائيلية تواصل تعزيز وجودها في المناطق التي تحتلها، من خلال إنشاء وتجهيز مواقع ومنشآت عسكرية جديدة، وهو ما يعزز المخاوف من استمرار التوتر ويصعب فرص التوصل إلى تهدئة مستدامة في المرحلة المقبلة، مؤكدا أن مستقبل الجنوب اللبناني سيبقى مرتبطا بمسار الاتصالات الدولية، لا سيما بنتائج التحرك الفرنسي - الألماني، ومدى نجاحه في حشد توافق أوروبي وأميركي حول صيغة تضمن استمرار الوجود الدولي على الحدود، بما يحول دون انزلاق المنطقة إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، ويؤمن في الوقت نفسه الدعم اللازم للجيش اللبناني للحفاظ على الأمن وتثبيت وقف الأعمال العدائية.


ويبقى نجاح المبادرة الفرنسية - الألمانية مرهونا بقدرتها على حشد توافق دولي واسع، وفي مقدمته دعم الولايات المتحدة، فضلا عن مدى استعداد إسرائيل للتجاوب مع أي ترتيبات أمنية جديدة. وفي ضوء ذلك، ستشكل نتائج هذه التحركات مؤشرا مهمًا على قدرة أوروبا على الاضطلاع بدور أكثر تأثيرا في الملف اللبناني، لا سيما في ما يتصل بمستقبل الجنوب وآليات ترسيخ الاستقرار فيه.