لم يعد السؤال في لبنان يدور حول ما إذا كانت الدولة ستسعى إلى حصر السلاح بيدها وحدها، بل حول قدرة السلطة السياسية على ترجمة ما بدأته إلى خطوات تنفيذية مكتملة.
فمنذ اتفاق الإطار، مرورًا بمفاوضات روما، وصولًا إلى زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن، تبدو ملامح مرحلة جديدة آخذة في التشكل، عنوانها تثبيت احتكار الدولة لقرارَي الحرب والسلم.
إلا أن هذه المرحلة تتقاطع مع متغير إقليمي بالغ الخطورة يتمثل في تعثر المسار الأميركي – الإيراني، ما يطرح سؤالًا مقلقًا: هل يقف لبنان على أعتاب حرب إسناد ثالثة، أم أن التوازنات الدولية أصبحت أقوى من أن تسمح بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء؟
لم تعد مفاوضات روما مجرد محطة تفاوضية تقنية، بل تحولت إلى امتداد عملي لاتفاق الإطار الذي رسم الخطوط العريضة للمرحلة المقبلة. فجوهر هذا المسار لا يتعلق فقط بالترتيبات الأمنية على الحدود الجنوبية، بل بإعادة تحديد الجهة التي تمتلك القرار العسكري داخل الدولة اللبنانية. وللمرة الأولى منذ سنوات، تتقاطع الإرادة اللبنانية الرسمية مع الإرادة الدولية على قاعدة واحدة: لا استقرار في لبنان مع استمرار وجود قرار عسكري خارج المؤسسات الشرعية.
لذلك، لا تبدو القرارات الحكومية الأخيرة، التي شددت على حصرية السلاح بيد الدولة، منفصلة عن هذا المسار، بل تشكل الحلقة التنفيذية الأولى لترجمة الالتزامات السياسية التي حملها اتفاق الإطار وكرستها المفاوضات اللاحقة. فالمجتمع الدولي لم يعد يتحدث عن إدارة الأزمة، بل عن إنهاء أسبابها البنيوية، وفي مقدمها ازدواجية القرار الأمني والعسكري.
وفي هذا السياق، تكتسب زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن أهمية استثنائية. فالزيارة لا تبدو بروتوكولية، بل تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية. والسؤال الحقيقي لا يتمثل في ما إذا كان الرئيس سيحصل على دعم أميركي، بل في ما إذا كانت واشنطن ستمنحه الغطاء السياسي والدبلوماسي والاقتصادي اللازم لاستكمال ما بدأته السلطة التنفيذية في ملف حصرية السلاح بيد الدولة.
فالإدارة الأميركية، كما غالبية الدول الغربية والعربية، تربط أي مشروع إنقاذ اقتصادي أو استثماري بإعادة بناء الدولة كمؤسسة واحدة تمتلك القرار الأمني والسيادي. وبالتالي، قد تُشكل الزيارة فرصة لتثبيت شراكة دولية مع العهد الجديد، تقوم على معادلة واضحة: كلما تقدمت الدولة في فرض سلطتها، ازداد الدعم السياسي والاقتصادي لها.
لكن هذا المشهد لا يمكن فصله عن التطورات الإقليمية المتسارعة. فإذا كان اتفاق الإطار ومفاوضات روما يرسمان مسارًا نحو تثبيت سلطة الدولة، فإن تعثر التفاهم الأميركي – الإيراني يعيد فتح باب الاحتمالات الأمنية. فكلما تراجعت فرص التسوية بين واشنطن وطهران، ارتفع خطر استخدام ساحات النفوذ التقليدية كورقة ضغط متبادلة، ولبنان يبقى في مقدمة هذه الساحات.
ويكتسب هذا الاحتمال بُعدًا إضافيًا مع إعلان السلطات السورية إحباط محاولة تهريب شحنة كبيرة من طائرات FPV المسيّرة وأسلحة أخرى كانت في طريقها إلى لبنان، في مؤشر يعكس استمرار نشاط شبكات التهريب رغم المتغيرات السياسية والأمنية في سوريا. ورغم أن هذه الحادثة لا تكفي وحدها للقول إن مواجهة جديدة باتت حتمية، فإنها تؤكد أن البيئة اللوجستية التي غذت الصراعات السابقة لم تختفِ بالكامل، وأن محاولات إبقاء لبنان ساحة مفتوحة أمام الصراعات الإقليمية لا تزال قائمة.
غير أن مقارنة الظروف الحالية بمرحلتي "حرب الإسناد" السابقتين تكشف اختلافًا جوهريًا. فاليوم، يواجه أي قرار بالتصعيد ثلاثة عوائق أساسية: أولها وجود سلطة سياسية أعلنت رسميًا تمسكها بحصرية السلاح بيد الدولة؛ وثانيها توافق دولي وعربي غير مسبوق على دعم هذا الخيار؛ وثالثها المتغيرات داخل سوريا نفسها، حيث أصبحت السلطات الجديدة أكثر تشددًا في ضبط الحدود ومكافحة شبكات تهريب السلاح.
لذلك، فإن احتمال اندلاع "حرب إسناد ثالثة" لا يرتبط فقط بإرادة أي طرف داخلي، بل بمدى قدرة اللاعبين الإقليميين على تجاوز منظومة الردع السياسية والدبلوماسية التي بدأت تتشكل حول لبنان. فالمعادلة لم تعد كما كانت في السنوات الماضية، إذ إن أي محاولة لإعادة لبنان إلى مربع المواجهة ستصطدم، ليس فقط بمواقف داخلية مختلفة، بل أيضًا بموقف دولي يبدو أكثر وضوحًا في دعمه للدولة اللبنانية ومؤسساتها.
وفي المحصلة، يبدو أن لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. طريق أول يقوده اتفاق الإطار، ومفاوضات روما، والدعم المنتظر من واشنطن، نحو تثبيت الدولة مرجعيةً وحيدةً للسلاح والقرار السيادي. وطريق ثانٍ تحاول بعض التطورات الإقليمية إبقاءه مفتوحًا، عبر إعادة توظيف الساحة اللبنانية في صراعات الخارج.
ويبقى الرهان على ما ستنتجه زيارة واشنطن. فإذا تحولت إلى تفويض سياسي ودولي واضح لاستكمال مسار حصرية السلاح بيد الدولة، يكون لبنان قد دخل فعلًا مرحلة جديدة عنوانها استعادة الدولة لقرارها السيادي. أما إذا تعثرت هذه الفرصة، في ظل انهيار مسارات التفاهم الإقليمي، فإن خطر انزلاق البلاد مجددًا إلى منطق حروب الإسناد سيبقى احتمالًا واردًا، وإن لم يعد بالسهولة التي كان عليها في السابق.
المعركة اليوم لم تعد بين مشروعين عسكريين، بل بين منطق الدولة ومنطق الساحات، وبين قرار سيادي يُصنع في بيروت وقرار إقليمي يُراد له أن يمر عبرها.