July 21, 2026   Beirut  °C
سياسة

العميد عادل مشموشي: المناطق التجريبية اختبار لالتزام الدولة قبل استكمال الانسحاب الإسرائيلي

مع بدء الجيش اللبناني انتشاره في عدد من القرى الجنوبية، وفي مقدمها الغندورية وفرون، دخل اتفاق الإطار مرحلةً ميدانيةً جديدةً قد تشكل الاختبار الأول لما يُعرف بـ"المنطقة التجريبية".

وبين الرهان على نجاح هذه الخطوة في تمهيد الطريق أمام استكمال الانسحاب الإسرائيلي، والتساؤلات حول طبيعة الانسحاب من المنطقتين، وما إذا كان فعليًا أم اقتصر على مواقع تخضع للسيطرة النارية، يبرز أيضًا موقف حزب الله الرافض لمندرجات الاتفاق، بما فيها فكرة المناطق التجريبية، بوصفه أحد أبرز التحديات أمام إنجاح هذا المسار.

وفي هذا الإطار، رأى العميد المتقاعد الدكتور عادل مشموشي أن هذه الخطوة جاءت نتيجة التباين في المواقف بين الدولة اللبنانية وحزب الله خلال مسار المفاوضات، الأمر الذي دفع إلى اعتماد مناطق محددة كنموذج أولي لاختبار إمكان تنفيذ الالتزامات الأمنية على الأرض.


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن اعتماد هذه المناطق يهدف إلى التثبت من قدرة الجيش اللبناني والدولة اللبنانية على الوفاء بتعهداتهما، لا سيما لجهة منع إعادة انتشار المسلحين، وإخلاء المناطق من أي مخازن أسلحة قد تكون موجودة فيها، بما يتيح اختبار جدية تنفيذ الترتيبات الأمنية قبل الانتقال إلى مراحل أوسع.


وأشار مشموشي إلى أن توحيد الموقف اللبناني كان من شأنه أن يعزز العملية التفاوضية بشكل كبير، لافتًا إلى أنه لو أعلن حزب الله التزامه الكامل بتوجهات الدولة اللبنانية، لكان ذلك قد منح المفاوض اللبناني قوةً إضافيةً في مواجهة الجانب الإسرائيلي، كما أنه، في حال تعثر المفاوضات، كان سيعزز أيضًا قدرة لبنان على مواجهة أي اعتداءات على أرض الواقع.


واعتبر أن اللبنانيين مطالبون بمنح المسار التفاوضي الفرصة الكافية، بهدف انتزاع التزام واضح من إسرائيل بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، والإفراج عن جميع الأسرى، ووقف الاعتداءات والخروقات التي تطاول الأراضي اللبنانية برًا وبحرًا وجوًا، مؤكدًا أن تحقيق مثل هذه الالتزامات كان سيؤدي إلى تسريع تنفيذ التفاهمات، إلا أن استمرار التباين بين الدولة وحزب الله أدى إلى إبطاء هذا المسار، ومنح إسرائيل هامشًا أوسع للإبقاء على وجودها داخل الأراضي اللبنانية لفترة أطول.


وشدد مشموشي على أنه، في مقابل أي تعهد إسرائيلي بالانسحاب ووقف الاعتداءات، ينبغي أن يقابله التزام واضح من حزب الله بتسليم كامل سلاحه إلى الجيش اللبناني، باعتباره المؤسسة الشرعية الوحيدة المخولة حمل السلاح، موضحًا أن هذا الأمر ينسجم مع الدستور اللبناني، والمواثيق الدولية، والقوانين النافذة، كما يتوافق مع قرار الدولة اللبنانية القاضي بحصر السلاح بالأجهزة العسكرية والأمنية الشرعية، وفي مقدمها الجيش اللبناني والقوى الأمنية.


وفي معرض تعليقه على الوضع الميداني في الغندورية وفرون، أوضح أن القوات الإسرائيلية كانت موجودة في هاتين المنطقتين، ويبدو أنها تتجه إلى الانسحاب منهما، إلا أن الطبيعة الجغرافية تمنحها أفضليةً عسكريةً بفعل سيطرتها على التلال المشرفة، ما يسمح لها بالإشراف الناري على المنطقة حتى بعد الانسحاب المباشر منها.


وأضاف أن الدولة اللبنانية، بوصفها الطرف الأضعف في هذا النزاع، قبلت الانطلاق بهذه الآلية على أمل أن يثبت الجيش اللبناني قدرته على جعل تلك المناطق خاليةً من السلاح، وغير خاضعة إلا لسلطته، الأمر الذي قد يدفع الوسيط الأميركي إلى ممارسة مزيد من الضغوط على إسرائيل للانسحاب تدريجيًا من بقية الأراضي اللبنانية، وصولًا إلى انسحاب كامل.


وفي ما يتعلق بالمواقف الإسرائيلية الرافضة للانسحاب من المنطقة التي تصفها بـ"الأمنية"، اعتبر مشموشي أن هذه التصريحات قد تكون جزءًا من توزيع الأدوار داخل القيادة الإسرائيلية، حيث يظهر بعض المسؤولين بمواقف متشددة، فيما يُترك لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هامشٌ أكبر للمناورة السياسية، مؤكدًا أن إسرائيل ما زالت مستمرة في اعتداءاتها، مستفيدةً من تفوقها العسكري.


ورأى أن الورقة الأساسية التي تمتلكها الدولة اللبنانية تتمثل في قدرة الولايات المتحدة على ممارسة الضغط على إسرائيل وإلزامها بتنفيذ الانسحاب، داعيًا السلطات اللبنانية إلى استثمار هذه الفرصة لحث الإدارة الأميركية على الدفع باتجاه احترام السيادة اللبنانية والانسحاب من كامل الأراضي المحتلة.


وعن احتمال استمرار حزب الله في رفض أي تسوية، حتى في حال توافرت ضمانات أميركية وإسرائيلية، قال مشموشي إن التوصل إلى تفاهمات متبادلة بين لبنان وإسرائيل حول احترام سيادة كل منهما وعدم الاعتداء مستقبلًا، سيضع إيران وحزب الله في موقف حرج، معتبرًا أن مواقف الحزب ترتبط إلى حد كبير بالقرار الإيراني، في ظل اعتماده على طهران في الدعم اللوجستي والعسكري، مؤكدًا أنه إذا أصر حزب الله على رفضه، فإن على الدولة اللبنانية ممارسة كامل صلاحياتها الدستورية والقانونية، والتعامل مع أي سلاح خارج إطار الشرعية، سواء كان مخازن أسلحة أو مجموعات مسلحة، باعتباره مخالفًا للقوانين النافذة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق كل من يخالف سلطة الدولة.


وتبقى المرحلة التجريبية اختبارًا حاسمًا، ليس فقط لقدرة الجيش اللبناني على تثبيت سلطته في الجنوب، بل أيضًا لمدى استعداد جميع الأطراف للالتزام بموجبات أي تفاهم مرتقب. فنجاحها يبقى مرهونًا بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي المحتلة، وبقدرة الدولة على حصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية، بما يفتح الباب أمام تثبيت السيادة اللبنانية وإنهاء واحدة من أكثر مراحل النزاع تعقيدًا.