بعد الأجواء الإيجابية التي قيل إنها سادت جولتي المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في العاصمة الإيطالية روما، تتجه الأنظار إلى آلية تنفيذ ما اتُفق عليه، لا سيما في ظل الحديث عن اقتراب إطلاق خطة "المناطق التجريبية" في جنوب لبنان، بالتزامن مع الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن.
في المقابل، تفرض تساؤلات عدة نفسها، أبرزها مدى التزام إسرائيل بمخرجات المفاوضات، وما إذا كان أي انسحاب من المناطق التجريبية سيكون فعليا ويمهد لاستكمال الانسحاب من بقية الأراضي المحتلة، أم سيقتصر على خطوات شكلية ومحدودة. كما يبرز موقف حزب الله الرافض لاتفاق الإطار، بالتوازي مع معلومات عن اجتماع افتراضي بين ضباط من الجيشين اللبناني والإسرائيلي لبحث آليات التنفيذ، ما يثير تساؤلات حول فرص نجاح هذه الخطة وإمكان تجاوز العقبات السياسية والميدانية.
وفي قراءة للمشهد التفاوضي بعد اجتماعات روما، اعتبر الوزير الأسبق فارس بويز أن الحديث عن إيجابية الجولتين اللتين عقدتا في روما لا يعكس، حتى الآن، أي إنجاز ملموس، مشيرا إلى أنه لا يرى نتائج فعلية يمكن البناء عليها، لأن المباحثات انطلقت من إعلان نيات أولي يتضمن، برأيه، ثغرات جوهرية تستوجب المعالجة قبل الانتقال إلى أي مرحلة تنفيذية.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن أولى هذه الثغرات تتمثل في أن الإعلان لم يحسم مسألة الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى ما وراء الحدود المعترف بها دوليا، بل اكتفى بالحديث عن "انسحاب" من دون تحديد واضح، لافتا إلى أن هذا الغموض أعاد إلى الأذهان الجدل الطويل الذي استمر عقودا حول تفسير قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. وأمل في ألا يؤدي هذا الالتباس إلى تكرار التجربة نفسها في جنوب لبنان.
وأشار بويز إلى أن الثغرة الثانية تتعلق بما يسمى "المناطق التجريبية"، متسائلا عن الجهة التي ستشرف على تقييم نجاح هذه التجربة. ورأى أن تكليف الولايات المتحدة وإسرائيل بهذه المهمة يشكل خللا أساسيا، لأن الطرف نفسه يصبح خصما وحكما في آن واحد، معتبرا أن واشنطن، بحكم التزامها السياسي تجاه إسرائيل، لن تخالفها إذا اعتبرت الأخيرة أن التجربة لم تنجح.
وقال إنه بالإمكان تلافي هذه المشكلة عبر إشراك أطراف دولية أخرى تتمتع بقدر أكبر من الحياد، مثل الاتحاد الأوروبي أو المملكة العربية السعودية أو مصر أو تركيا، أو أي دولة تحظى بقبول الطرفين، بما يضمن نزاهة التقييم وعدم احتكاره من قبل جهة واحدة.
كما انتقد بويز عدم تحديد حجم الانسحاب من المناطق التجريبية، معتبرا أن إسرائيل قد تكتفي بالانسحاب من قرية أو قريتين لا تمثلان سوى نسبة ضئيلة جدا من الأراضي المحتلة، ثم تعلن فشل التجربة لتبرير استمرار احتلالها بقية المناطق. وشدد على أن أي اعتماد لمبدأ المناطق التجريبية يجب أن يقترن بانسحاب واسع النطاق، بحيث تُقسم المناطق المحتلة إلى قسمين، ويشمل الانسحاب المرحلة الأولى بأكملها، لا أن يقتصر على أجزاء محدودة لا تحقق أي تغيير فعلي.
وفي سياق متصل، رأى أن الإعلان أغفل قضية أساسية تتعلق بمصير نحو 450 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، متسائلا عما إذا كانت هذه المسألة ستبقى عبئا دائما على الدولة اللبنانية. وأكد أنه لا يدعو إلى فرض آلية محددة للحل، ولا إلى التمسك بعناوين قد تتهم بأنها تعرقل المفاوضات، مشددا على ضرورة تضمين أي اتفاق إطارا واضحا لمعالجة هذه القضية، لأن بقاءها من دون حل يمثل خللا بنيويا في أي تسوية مستقبلية. وأكد أن ما صدر حتى الآن لا يزال مجرد بيان أولي، ولم يتحول إلى اتفاق ملزم، إذ لم يعرض بعد على الحكومة أو مجلس النواب، وبالتالي لم يكتسب الصفة القانونية اللازمة.
واعتبر بويز أن الدولة اللبنانية ستواجه صعوبة كبيرة في مطالبة الجيش بتنفيذ اتفاق يتضمن هذا القدر من الغموض، موضحا أن الجيش يحتاج أصلا إلى اتفاق واضح وعادل حتى يتمكن من تنفيذ أي التزامات تتعلق بحصرية السلاح. أما في ظل الصيغة الحالية، فإن الاتفاق، بحسب رأيه، يعزز حجة حزب الله ويقوي مبررات استمراره، بدل أن يسهم في تعزيز سلطة الدولة، مشددا على أن المطلوب من المفاوضات، سواء في روما أو في أي مكان آخر، ليس الاكتفاء بإدخال تعديلات شكلية أو تفاصيل إضافية، وإنما معالجة الثغرات الجوهرية، وفي مقدمها تحديد حجم الانسحاب من المناطق التجريبية، والنص صراحة على الانسحاب الكامل إلى ما وراء الحدود الدولية المعترف بها، إضافة إلى وضع إطار لمعالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين.
وفي ما يتعلق بالزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن، فأكد أنه يؤيد مبدأ التفاوض والحوار، ويرى أن زيارة الرئيس عون إلى الولايات المتحدة خطوة إيجابية إذا كانت تهدف إلى عرض الملاحظات اللبنانية والسعي إلى تصحيح الثغرات الواردة في الإعلان، محذرا، في المقابل، من أي احتمال لعقد لقاء مباشر بين الرئيس عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبرا أن مثل هذا اللقاء سيحمل دلالات سياسية خطيرة، إذ سيفهم على أنه إقرار ضمني بأن لبنان نال حقوقه وأن إسرائيل لم تعد تعامل بوصفها دولة عدوة، الأمر الذي قد يضعف الموقف اللبناني في أي مطالبات مستقبلية بحقوقه. وأشار إلى أن أي لقاء من هذا النوع سيمنح المجتمع الدولي انطباعا بأن الخلافات الأساسية قد انتهت، في حين أن الواقع، بحسب تعبيره، لا يعكس ذلك.
وعلق بويز على ما يتداول بشأن احتمال عقد اجتماع افتراضي بين ضباط من الجيشين اللبناني والإسرائيلي للتنسيق حول المناطق التجريبية، معتبرا أنه لا يمانع من حيث المبدأ أي تنسيق عسكري يهدف إلى تنفيذ اتفاق جيد وواضح، إلا أن الأولوية يجب أن تكون لإلزام إسرائيل بانسحاب واسع وأساسي من الأراضي المحتلة، لا الاكتفاء بانسحابات رمزية يمكن استخدامها ذريعة للإبقاء على احتلال معظم الجنوب. وقال إن إسرائيل قد تنسحب من مساحة لا تتجاوز نصف في المئة من الأراضي المحتلة، ثم تفتعل عراقيل وتعلن فشل التجربة لتبرير بقائها في النسبة المتبقية إلى أجل غير مسمى، محذرا من أن التصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين، سواء الداعية إلى الاستيطان في الجنوب أو الرافضة لأي انسحاب، تبرر القلق اللبناني وتفرض الحذر من إبرام اتفاقات غامضة أو غير مكتملة قد تستغل لاحقا على حساب لبنان.
وعليه، هل تعكس كل الإيجابيات التي أشيعت عقب اجتماعات روما حقيقة ما يدور في كواليس المفاوضات، أم أنها تتجاوز واقعا لا يزال مثقلا بالعقبات؟ لا سيما في ظل استمرار إسرائيل في التلويح بعدم الانسحاب الكامل من الجنوب، مقابل تمسك حزب الله برفض اتفاق الإطار واستعداده للتصدي له. وبين هذين الموقفين المتناقضين، يبقى نجاح أي تفاهم مرهونا بمدى القدرة على تجاوز الثغرات القائمة وتحويل ما أعلن في روما إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ على الأرض.