منذ توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، بقيت الأنظار معلقة على مسار تطبيقه، إلا أن الانتقال من مرحلة التفاهم إلى مرحلة التنفيذ لم يكن بالسهولة المتوقعة. فبعد مرور فترة على إبرامه، لا تزال بنوده تواجه تحديات مرتبطة بالواقع السياسي والميداني، في وقت تستمر فيه المفاوضات حول الملفات العالقة بين البلدين.
وبين اتفاق يحمل صفة قانونية من جهة، وغياب التوافق الكامل حول آليات تنفيذه من جهة أخرى، يعود النقاش حول مدى قدرة هذا الإطار على التحول من وثيقة موقعة إلى خطوات عملية على الأرض، خصوصا في ظل المواقف المتباينة للأطراف المعنية. فكيف يمكن تطبيق اتفاق الإطار في ظل غياب التوافق بين الأطراف المعنية، وهل تكفي إلزامية الاتفاق القانونية لضمان تنفيذه على الأرض؟
في هذا الإطار، أوضح الرئيس الأسبق لمجلس شورى الدولة القاضي شكري صادر أن أي اتفاق أو وثيقة يوقع من قبل ممثلي دولتين تعتبر، من حيث المبدأ، اتفاقا ملزما، مشيرا إلى أن الاتفاق الموقع بين الجمهورية اللبنانية وإسرائيل، بحضور الولايات المتحدة الأميركية بصفتها راعية وضامنة لتنفيذه، يعد اتفاقا نافذا وينتج مفاعيله القانونية. إلا أنه لفت، في الوقت نفسه، إلى ضرورة التمييز بين إلزامية الاتفاق وبين مضمون الالتزامات الواردة فيه، موضحا أن بنوده لا تتضمن إجراءات تنفيذية مباشرة وواضحة على الأرض، ولذلك يمكن وصفه من حيث المضمون بأنه أقرب إلى إعلان نوايا، على الرغم من بقائه ملزما من حيث تعهد كل طرف بالموجبات التي أخذها على عاتقه.
واعتبر عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن كون الاتفاق ملزما لا يعني بالضرورة أن كل بنوده قابلة للتنفيذ بشكل فوري، إذ إن بعض الموجبات تحتاج إلى اتفاق بين الأطراف حول آليات تطبيقها. وبالتالي، فإن الإشكالية لا تكمن في وجود الاتفاق من الناحية القانونية، بل في كيفية ترجمة التعهدات الواردة فيه إلى خطوات عملية على الأرض.
وفي ما يتعلق بحزب الله، شدد صادر على أن الحزب ليس طرفا مباشرا في الاتفاق، لأن الجهات الموقعة هي الجمهورية اللبنانية وإسرائيل، فيما وقعت الولايات المتحدة الأميركية بصفتها راعية وضامنة لتنفيذ الاتفاق، موضحا أن قبول حزب الله أو رفضه لا يجعل الاتفاق نافذا أو غير نافذ، لأن المسؤولية القانونية تقع على عاتق الدولة اللبنانية باعتبارها الطرف الموقع، وهي المعنية بتنفيذ الموجبات التي تعهدت بها، بما فيها بسط سلطتها على كامل أراضيها ومعالجة الملفات المرتبطة بالسلاح الموجود خارج إطار الدولة وفق الآليات التي تعتمدها.
وعن إمكان تطبيق الاتفاق في حال رفض الأطراف الالتزام به، رأى أن الوضع يختلف بحسب طبيعة الرفض. فإذا امتنع الطرفان عن التنفيذ، يصبح الاتفاق فاقدا لقيمته العملية، لأن الاتفاقات تقوم أساسا على التزام الأطراف بما تعهدت به، وفي حال عدم رغبة أي طرف في تطبيقه يصبح الأمر، عمليا، وكأن الاتفاق غير موجود.
أما في حال التزم أحد الأطراف بالتنفيذ وامتنع الطرف الآخر، فأوضح صادر أن هنا تظهر أهمية وجود طرف ضامن للاتفاق، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة الأميركية، بصفتها الضامن، يفترض أن يكون لديها دور في دفع الطرف المتخلف عن التنفيذ إلى احترام التزاماته. وقال إن هذا الضغط قد يكون سياسيا أو عسكريا أو عبر وسائل أخرى، مثل فرض عقوبات أو استخدام أدوات مرتبطة بالعلاقات بين الدول، بهدف إلزام الطرف المعني بتنفيذ ما تعهد به.
وأكد أن وجود جهة ضامنة يشكل عنصرا أساسيا في الاتفاقات من هذا النوع، لأن دورها لا يقتصر على الرعاية المعنوية، بل يفترض أن تمتلك القدرة على التأثير في الأطراف ودفعها نحو التنفيذ، مشيرا إلى أن التجارب الدولية شهدت اتفاقات امتنعت دول عن تنفيذها، إلا أن القضاء اعتبرها ملزمة من الناحية القانونية. ولفت إلى أن طريقة التوقيع لا تسقط الصفة الإلزامية للاتفاق، موضحا أن الاتفاق يبقى ملزما للدولتين حتى لو وقّع بين ممثلين دبلوماسيين، طالما أن التوقيع حصل باسم الدولة وبصلاحية تمثيلها.
في نهاية المطاف، يبقى اتفاق الإطار مرتبطا بقدرة الأطراف الموقعة على ترجمة التزاماتها إلى خطوات عملية، فالدولة اللبنانية تتحمل مسؤولية تنفيذ ما تعهدت به، كما تتحمل إسرائيل مسؤولية الالتزام بموجباتها. وبينما يبقى الاتفاق قائما من الناحية القانونية، يبرز دور الولايات المتحدة بصفتها الراعية والضامنة له، باعتبار أن قدرتها على ممارسة الضغط على الأطراف المعنية قد تكون العامل الحاسم في الانتقال من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التطبيق الفعلي.