في ظل المساعي الدولية الرامية إلى تعزيز دور الدولة اللبنانية وبسط سلطتها على كامل أراضيها، كشف مسؤول أميركي، وفق ما نقل موقع "أكسيوس"، أن الولايات المتحدة ستبدأ قريبا التواصل مع شركائها الدوليين بهدف مساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سيادتها بشكل فعال، ابتدءا من المناطق التجريبية وصولا إلى مختلف المناطق اللبنانية.
ويأتي هذا الموقف في إطار دعم المؤسسات الشرعية اللبنانية وتعزيز قدرتها على فرض حضورها الأمني والعسكري، في مرحلة تشهد ضغوطا متزايدة لإنهاء حالة تعدد القوى المسلحة وحصر القرار الأمني بيد الدولة.
لكن ما طبيعة المساعدة التي يمكن أن تقدمها واشنطن وشركاؤها للبنان، وكيف يمكن للدولة أن تستعيد دورها في ظل استمرار الخلاف حول سلاح حزب الله وموقفه من تسليم القرار العسكري للمؤسسات الرسمية؟ ولماذا يجري التركيز تحديدا على المناطق التجريبية لتكون نقطة الانطلاق في هذا المسار؟
وفي هذا الإطار، أوضح الباحث في جيوسياسية الشرق الأوسط الدكتور فادي الأحمر أن التعويل على المناطق التجريبية يعود إلى كونها تشكل المساحة الأولى لاختبار قدرة القوى الأمنية والعسكرية اللبنانية على بسط سلطتها الفعلية، والتأكد من جهوزيتها للسيطرة على المناطق التي يفترض أن تخليها إسرائيل.
وأضاف عبر منصة "بالعربي"، أن هذا المسار يرتبط أيضا باستخدامها كورقة ضغط من قبل إسرائيل، التي لا تريد الانسحاب من لبنان بمجرد انتهاء العمليات العسكرية ضد حزب الله، بل تسعى إلى ضمان وجود سلطة لبنانية قادرة على ضبط الوضع الأمني، ونزع سلاح حزب الله في كل لبنان.
ولفت الأحمر إلى أن استمرار تعنت حزب الله يشكل عائقا أمام أي مسار يهدف إلى تعزيز سيادة الدولة، مشيرا إلى أن الحزب، بحسب رأيه، يميز في تعاطيه بين مناطق جنوب الليطاني وشماله، إذ يعتبر أنه قد يتعاون في نطاق جنوب الليطاني فقط، بينما يبقى أقل التزاما في المناطق الواقعة شمال النهر.
وأضاف أن الحديث عن تعاون حزب الله مع الجيش اللبناني خلال الفترة الماضية لم يكن دقيقا، معتبرا أن الوقائع تشير إلى عدم التزام الحزب الكامل بترتيبات الدولة، مستشهدا بإطلاق الحزب الصواريخ الستة من جنوب الليطاني، إضافة إلى استمرار وجود منشآته العسكرية في تلك المنطقة، ما يؤكد، بحسب تعبيره، أن التعاون كان شكليا ولم يصل إلى مستوى تسليم القرار الأمني والعسكري للدولة.
وفي ما يتعلق بموقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي أكد أن حزب الله سيتحمل مسؤولية قراره في حال عدم تجاوبه مع الجهود المبذولة لإنهاء الحرب في الجنوب، رأى الأحمر أن التصريحات الأخيرة للرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام تعكس إدراكا رسميا بأن إيران لا تزال تصر على إبقاء الملف اللبناني مرتبطا بقراراتها وسياساتها.
وأشار إلى أن إيران تعتبر الساحة اللبنانية آخر أوراقها الأساسية في المنطقة، إلى جانب ورقة مضيق هرمز، مؤكدا أنها لا تبدو مستعدة للتخلي عن نفوذها في لبنان، كما لا تتخلى عن أوراقها الأخرى في الإقليم.
وأوضح أن الرئيس جوزاف عون منح حزب الله فرصة للحوار، إلا أن عدم تجاوبه دفع الدولة إلى اتخاذ موقف أكثر تشددا، معتبرا أن استمرار الحزب في رفض تسليم القرار العسكري للدولة يعزز الانطباع بأن خياره مرتبط بحسابات إيرانية أكثر مما هو مرتبط بالمصلحة اللبنانية.
وفي سياق متصل، تطرق الأحمر إلى ما طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن التزامات قدمها الرئيس السوري أحمد الشرع في ملف سلاح حزب الله. وقال إن دمشق، بحسب ما ينقل من مواقف مسؤولين سوريين، لا تنوي التدخل عسكريا أو أمنيا في لبنان، لكنها قد تكون مستعدة للقيام بدور سياسي والمساعدة في أي حوار إذا توفرت الظروف المناسبة، مشيرا إلى أن هذا الموقف ظهر أيضا من خلال تصريحات الرئيس أحمد الشرع والمسؤولين السوريين الذين أكدوا استعدادهم للمساعدة في المسار السياسي، من دون الدخول في أي تدخل أمني أو عسكري داخل لبنان.
أما عن الوسائل التي قد تلجأ إليها الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والعربي لمساعدة لبنان على تنفيذ قراراته واستعادة سيادته، فرأى الأحمر أن الأمر قد يشمل دعم الجيش اللبناني عبر التسليح والتجهيز والمساعدات اللوجستية، لافتا إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه فرنسا وإيطاليا في هذا المجال، خصوصا عبر عقد مؤتمرات لدعم الجيش.
وأضاف أن هناك طرحا يتعلق بإمكانية تشكيل قوة عسكرية أوروبية إضافية في الجنوب، تكون نواتها فرنسية وإيطالية، على أن تكون مختلفة عن قوات اليونيفيل الموجودة حاليا، مشيرا إلى أن هذه الفكرة قد تصبح مطروحة بقوة في حال استمر عجز الدولة اللبنانية عن معالجة ملف السلاح غير الشرعي.
واعتبر الأحمر أن لبنان قد يحتاج إلى دعم خارجي لمساندة مؤسساته وإنهاء الوضع القائم، خصوصا أن الدولة تواجه تحديا يتمثل بوجود قوة مسلحة خارج إطارها، مؤكدا أن الهدف النهائي يبقى تعزيز سلطة الدولة اللبنانية وحصر القرار الأمني والعسكري بها.
وفي ضوء ذلك، يبدو أن مسار استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها سيبقى مرتبطا بقدرتها على فرض قراراتها داخليا، وبمدى استعداد المجتمع الدولي لتوفير الدعم اللازم لها. وبين الضغوط الخارجية والحسابات الإيرانية، يبقى ملف السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية الاختبار الأبرز أمام العهد الجديد، في ظل استمرار الصراع حول هوية القرار اللبناني ومن يملك الكلمة الفصل فيه.