بعد سنوات من الجمود الذي طبع العلاقات الاقتصادية والسياسية بين لبنان والمملكة العربية السعودية، بدأت مؤشرات توحي بإمكان فتح صفحة جديدة بين البلدين. البداية جاءت مع قرار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان استئناف استقبال الصادرات اللبنانية إلى الأسواق السعودية، في خطوة عدت مؤشرا على عودة الثقة تدريجيا وإعادة تحريك العلاقات الاقتصادية بين بيروت والرياض.
وأخيرا برزت معلومات عن خطوة جديدة قد تتمثل بالسماح لرجال الأعمال السعوديين بزيارة لبنان، في خطوة اعتبرت أنها قد تكون محطة أولى يليها عودة أوسع للاستثمارات، وربما لاحقا لرفع القيود عن سفر المواطنين السعوديين إلى لبنان. فإلى أي مدى تعكس هذه الخطوة تحولا حقيقيا في مسار العلاقات السعودية - اللبنانية، وهل ستتلقف الدولة هذه الخطوة؟
في هذا السياق، أكد المستشار والأكاديمي الدكتور نايف خالد الوقاع أن العلاقات السعودية - اللبنانية، لا سيما في المجال التجاري والاقتصادي، هي علاقات تاريخية وعريقة، مشيرا إلى أن التبادل التجاري بين البلدين كان كبيرا جدا، وأن البضائع اللبنانية لطالما كانت مطلوبة في المملكة العربية السعودية. واعتبر أن ما مر به لبنان من أحداث وتطورات على مدى العقود الماضية أدى إلى تراجع هذا التبادل التجاري، وصولا إلى مراحل اضطرت فيها المملكة إلى اتخاذ خطوات أوقفت خلالها العلاقات التجارية بين البلدين.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن من أبرز الأسباب التي أثرت على هذا المسار استغلال بعض الجماعات اللبنانية للعلاقات التجارية عبر محاولة تصدير مواد ممنوعة إلى المملكة، ومنها المخدرات، لافتا إلى أن السعودية أعلنت في أكثر من مناسبة عن عمليات ضبط كبيرة. وقال إن المشاكل المصرفية في لبنان، وغياب الضمانات الكافية لرجال الأعمال السعوديين، وعدم وجود نظام مصرفي قوي وشفاف، إضافة إلى غياب تقنيات رقمية حقيقية تسهل التبادل التجاري، كلها عوامل دفعت المملكة إلى اتخاذ خطوات حاسمة في علاقتها الاقتصادية مع لبنان.
وأشار الوقاع إلى أن الوضع اليوم يختلف نوعا ما في ظل التغيرات الجيوسياسية الكبيرة التي تشهدها المنطقة، مؤكدا أن النشاط السياسي السعودي لم يغب عن لبنان، وأن المملكة بقيت حاضرة ومتابعة لتطوراته. واعتبر أن وجود حكومة لبنانية قوية ورئيس وزراء قوي ومنهج حكومي واضح، إلى جانب التطورات التي يشهدها لبنان، ومنها افتتاح مطار دولي جديد في شمال البلاد، والضغوط التي تعرض لها حزب الله وتحجيم دوره، قد يدفع المملكة إلى اتخاذ خطوات جديدة، من بينها السماح لرجال الأعمال السعوديين بزيارة لبنان.
وشدد على أن العلاقات بين رجال الأعمال السعوديين واللبنانيين هي علاقات عريقة ولم تنقطع عن التواصل حتى خلال فترة تراجع التبادل التجاري، معتبرا أن زيارات رجال الأعمال تشكل رسائل لقراءة الوضع اللبناني واختبار مسار التطورات قبل عودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي. ورأى أن المسؤولية في المرحلة المقبلة تقع على الجانب اللبناني في إزالة كل الهواجس التي تعوق الحركة بين البلدين، لأن رأس المال يبحث عن بيئة آمنة ومستقرة، وإذا وجد رجل الأعمال السعودي الضمانات المطلوبة فسينقل ذلك إلى الجهات السعودية المختصة، ومنها وزارة التجارة ووزارة الخارجية، بما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستثمار والتعاون.
وبيّن الوقاع أن السياسة لا تنفصل عن الاقتصاد، وأن الاقتصاد قد يكون بوابة للعبور السياسي كما أن السياسة تمهد للاقتصاد، مشيرا إلى أن زيارة رجال الأعمال السعوديين، إذا حصلت، قد تكون تمهيدا لرفع القيود عن سفر المواطنين السعوديين إلى لبنان. واعتبر أن هذه الخطوة تأتي في إطار اختبار مدى حصول تغيير فعلي يسمح بعودة السعوديين إلى لبنان، سواء للسياحة أو الاستثمار أو مختلف الأغراض، بعدما شكل الوضع الأمني سابقا أحد أبرز الهواجس، في ظل تعرض بعض المواطنين السعوديين لحالات أمنية حساسة.
وركز على أن المطلوب اليوم هو أن تلتقط الدولة اللبنانية والقطاع الخاص هذه الفرصة بجدية، عبر إزالة الهواجس الأمنية والمالية والاقتصادية والقانونية، موضحا أن السعودية لا تضع شروطا تعجيزية أمام الانفتاح على لبنان، بل تريد دولة مستقرة وآمنة تمارس سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وأن يحظى المواطن السعودي بالأمن والاحترام، فيما يحتاج المستثمر السعودي إلى تشريعات اقتصادية وقضائية واضحة تحمي استثماراته وتحافظ على حقوقه.
وأفاد الوقاع بأن عودة النشاط التجاري والاستثماري السعودي تشكل فرصة مهمة للبنان، خصوصا وأن المملكة العربية السعودية تعد أكبر اقتصاد عربي وعضوا في مجموعة العشرين، وأن جزءا كبيرا من الصادرات اللبنانية كان يتجه إليها، معتبرا أن عودة هذا النشاط يمكن أن تخلق فرص عمل، وتحرك الاقتصاد اللبناني، وتشجع بقية دول مجلس التعاون الخليجي على العودة إلى الاستثمار في لبنان. وأكد أن المملكة حريصة على أمن لبنان واستقراره وأن هذه الخطوة تأتي ضمن منهجية كاملة في العلاقات بين البلدين، وأن تعزيز دور الدولة وحصر القرار بها يشكلان، بحسب رؤيته، أساسا لاستمرار العلاقات اللبنانية - العربية والسعودية خصوصا.
في نهاية المطاف، لن تكون زيارة رجال الأعمال السعوديين، إذا ما تمت، مجرد محطة اقتصادية، بل قد تشكل بداية لاختبار مرحلة جديدة في العلاقات بين بيروت والرياض، خصوصا وأن لبنان تأثر كثيرا خلال السنوات الماضية بتراجع الحضور السعودي. ولكن الرهان الأهم اليوم يبقى على قدرة الدولة اللبنانية على استثمار هذه الفرصة، بما يعيد بناء الثقة ويفتح الباب أمام عودة الاستثمارات، ويعزز الشراكة مع المملكة العربية السعودية التي لطالما شكلت ركيزة أساسية في دعم لبنان واقتصاده.