لطالما شكّلت مواقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي والوزير السابق وليد جنبلاط مادةً للنقاش السياسي في لبنان، نظرًا لتبدل مقارباته في كثير من المحطات المفصلية تبعًا للمتغيرات الداخلية والإقليمية، وهو ما يصفه مؤيدوه بالواقعية السياسية، فيما يعتبره منتقدوه انتقالًا مستمرًا بين التموضعات وفق موازين القوى.
وفي ظل الجدل الدائر حول اتفاق الإطار ومذكرة التفاهم، عاد جنبلاط ليطرح سلسلة ملاحظات وانتقادات على طريقة إدارة الدولة لهذا الملف، معتبرًا أن الاتفاق جاء بصيغة أحادية الجانب.
إلا أنه، في المقابل، أكد عدم انخراطه في أي تحالف يستهدف إسقاط مسار التفاوض، ما أعاد فتح باب التساؤلات حول حقيقة موقعه السياسي، وما إذا كانت مواقفه تعكس اعتراضًا على إدارة الملف فقط، أم أنها محاولة للحفاظ على هامش واسع من المناورة بانتظار اتضاح نتائج التحولات الإقليمية.
في هذا السياق، أكد الوزير السابق ورئيس جهاز العلاقات الخارجية في حزب القوات اللبنانية، ريشار قيومجيان، أن أحد أسباب ما وصفه بمواقف وليد جنبلاط المتناقضة والمتحولة يرتبط بالوضع الإقليمي المتعثر وغير المحسوم استراتيجيًا لصالح أي من أطراف النزاع، ما ينعكس، بحسب رأيه، ترددًا وتذبذبًا في المواقف، ومحاولةً للبقاء في مساحة وسط بين مختلف الخيارات. لكنه شدد، في المقابل، على أن ذلك لا يعني وجود تبدل في التموضع السياسي لجنبلاط، موضحًا أن الأخير أعلن أنه لن يكون جزءًا من أي تحالف ضد مذكرة التفاهم الموقعة في واشنطن أو ضد مسار المفاوضات القائم، رغم وجود ملاحظات لديه على المذكرة وعلى أداء الدولة في إدارة هذا الملف.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن الحزب التقدمي الاشتراكي ممثل في الحكومة بوزيرين، وأن الحكومة اتخذت قرارها بالموافقة على مذكرة التفاهم، معتبرًا أنه لو كان معارضًا لها بشكل كامل، لكان اتخذ موقفًا مختلفًا من مشاركته فيها. ولفت إلى أن جنبلاط لم يعلن انضمامه إلى المسار الذي يراهن عليه حزب الله، والقائم على انتظار نتائج المفاوضات الأميركية - الإيرانية، مؤكدًا أن موقفه بقي واضحًا لجهة استمرار مسار التفاوض القائم.
وبيّن قيومجيان أن القوات اللبنانية لا توافق على تقييم جنبلاط عندما قال إن القيّمين على الدولة لا يجيدون إدارة العلاقات الدولية والتفاوض، معتبرًا أن من حق جنبلاط أن تكون لديه وجهة نظره الخاصة. ورأى أن المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، برعاية أميركية، مستمرة، وستنتقل من واشنطن إلى روما قبل العودة مجددًا إلى واشنطن، مشددًا على أن هذا المسار هو الطريق الوحيد للوصول إلى الانسحاب الإسرائيلي وعودة الأهالي إلى قراهم.
وأوضح أن ملف سلاح حزب الله يشكل بندًا أساسيًا في هذا المسار، باعتبار أن الانسحاب الإسرائيلي وتسليم السلاح يسيران بالتوازي، لافتًا إلى أن هذا الشرط وضعته إسرائيل، ولا يرى وجود مسار آخر قادر على فرض الانسحاب الإسرائيلي. واعتبر أن التعويل على مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية لن يؤدي إلى انسحاب إسرائيل، وأن أي مسار آخر سيؤدي إلى إطالة أمد الاحتلال الإسرائيلي، ولن يقود إلى حلول.
وفي ما يتعلق بالعلاقة مع جنبلاط، لفت قيومجيان إلى أن هناك تباينات في وجهات النظر بين الطرفين، وهذا أمر طبيعي في الحياة السياسية، لكنه شدد على عدم وجود خلاف جديد أو سجال بين القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، مؤكدًا الحرص على مصالحة الجبل واستمرار العلاقة السياسية بين الطرفين.
في النهاية، يبقى موقف وليد جنبلاط من اتفاق الإطار حاضرًا في النقاش السياسي، بين ملاحظات طرحها على طريقة إدارة الملف، واستعداده للمساعدة إذا قررت الدولة إعادة النظر في مقاربتها، في وقت يبقى هذا المسار أمام اختبار التنفيذ وما سيحمله من تطورات.