اعتبر الصحافي ألان سركيس أن ما تشهده المنطقة اليوم يتجاوز تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، ليشكّل تشييعًا لمحور كامل ومرحلة بدأت عام 1979، معتبرًا أن هذا المشروع ألحق الدمار بعدد من الدول العربية، من العراق إلى اليمن وسوريا ولبنان، واستغل القضية الفلسطينية لخدمة أجندته السياسية.
وأكد سركيس، خلال مقابلة عبر منصة "بالعربي" ضمن برنامج "حوار الليلة" مع الإعلامي ربيع ياسين، أن الاتفاق الأخير بين واشنطن وطهران لا يتضمن أي إشارة إلى القضية الفلسطينية، معتبرًا أن ذلك يعكس سقوط الشعارات التي رفعها هذا المحور طوال السنوات الماضية، ورأى أن تداعيات هذا التحول ستنعكس على لبنان، وإن كانت تحتاج إلى بعض الوقت بسبب تراكمات امتدت لأكثر من أربعة عقود.
وأشار إلى أن انتهاء مراسم التشييع تزامن مع إعلان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف العودة إلى استكمال المفاوضات مع الولايات المتحدة، معتبرًا أن ذلك يعكس تبدلًا في المشهد الإستراتيجي، بغض النظر عن الخطاب الإعلامي والسياسي الذي يروّج له محور الممانعة في لبنان، والذي لا يزال، بحسب تعبيره، يحاول تصوير نفسه في موقع المنتصر.
وانتقد مشاركة الوفد اللبناني الرسمي في مراسم التشييع، معتبرًا أنها لم تكن خطوة مستحبة، وأن لبنان، الذي دفع أثمانًا باهظة نتيجة النفوذ الإيراني طوال العقود الماضية، ليس في الموقع نفسه الذي توجد فيه دول أخرى أوفدت ممثلين عنها إلى طهران، مشيرًا إلى أن هذه الدول لم تعش تجربة مشابهة لما عاشه لبنان.
وأضاف أن رئيس الحكومة ووزير الخارجية لم يشاركا في مراسم التشييع لأنهما لم يقبلا بذلك، معتبرًا أن إرسال وزير الدفاع للمشاركة كان خيارًا غير موفق.
وفي الملف الإيراني، رأى سركيس أن النظام الإيراني يعيش حالة استسلام سياسي إلى حد كبير، لكنه لم يوقّع بعد على استسلامه الكامل، معتبرًا أن المطالب الأميركية لا تزال تتمثل في إنهاء البرنامج النووي، وإنهاء دور الأذرع العسكرية التابعة لإيران في المنطقة، وفتح مضيق هرمز، وحل الحرس الثوري، مشيرًا إلى أن واشنطن لم تتراجع عن أي من هذه الشروط.
واعتبر أن طهران قد تكون مستعدة للتخلي عن برنامجها النووي قبل التخلي عن حزب الله، لأن الحزب، بحسب تعبيره، يشكل إحدى أهم أوراق النفوذ الإيراني في المنطقة، لافتًا إلى أن لبنان يواجه أزمة فكرية قبل أن تكون أزمة مرتبطة بالسلاح.
وقال إن الفكر المرتبط بولاية الفقيه يشكل خطرًا على لبنان، مستشهدًا بعدد من التصريحات التي صدرت عن شخصيات محسوبة على حزب الله أو بيئته، والتي تضمنت، بحسب قوله، تحريضًا على المسيحيين وعلى مؤسسات الدولة، معتبرًا أن هذا الخطاب يكشف حقيقة المشروع الذي يحمله الحزب.
وأضاف أن السنوات الماضية شهدت تخويف المسيحيين من التنظيمات المتشددة، إلا أن الوقائع، بحسب رأيه، أظهرت أن الخطر الحقيقي يتمثل في الفكر المرتبط بولاية الفقيه، مشيرًا إلى أن وصول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى السلطة لم يترجم بأي إجراءات استهدفت المسيحيين، بل على العكس، ساهم في خلق حالة من الارتياح لدى شريحة واسعة منهم.
وفي معرض حديثه عن المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، اعتبر سركيس أنه في حال رفضت طهران الاستجابة للمطالب الأميركية، فإن المنطقة ستتجه مجددًا نحو الحرب على أكثر من جبهة، لافتًا إلى أن العراق تمكن حتى الآن من ضبط أوضاعه، فيما تبقى بقية الساحات مفتوحة على احتمالات التصعيد.
وتناول سركيس التطورات الميدانية في جنوب لبنان، معتبرًا أن الإصرار الإسرائيلي على السيطرة على تلة علي الطاهر لا يرتبط فقط بأهميتها العسكرية، بل بما تحتويه، بحسب تقديره، من منشآت وتجهيزات وتقنيات إيرانية تحت الأرض، مشيرًا إلى أن الاهتمام الإسرائيلي يتركز على ما هو موجود في باطن التلة أكثر مما هو ظاهر فوقها.
ولفت إلى أن المعلومات المتداولة لا تتعلق فقط بوجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني، بل تتحدث أيضًا عن معدات وأسرار استخباراتية وتكنولوجية، معتبرًا أن هناك ضغوطًا دولية، ولا سيما أميركية، لإخراج ما وصفه بـ"الموجودات" من هذه المنطقة، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ينتظر الضوء الأخضر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسيطرة على الموقع.
ورأى أن سقوط تلة علي الطاهر، إذا اتُخذ القرار العسكري بذلك، لن يستغرق وقتًا طويلًا، معتبرًا أن حزب الله لم يعد يمتلك القدرة العسكرية التي كانت لديه في بداية الحرب، في ظل التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي.
وأضاف أن السيطرة على تلة علي الطاهر قد تفتح الطريق نحو جبل الريحان، معتبرًا أن وصول إسرائيل إلى هذه المنطقة سيغيّر الواقع العسكري في الجنوب، وقد يفتح الطريق، وفق تقديره، نحو الضاحية الجنوبية إذا استمر حزب الله في رفض تسليم سلاحه.
واعتبر أن الضاحية الجنوبية أصبحت، من الناحية العسكرية، أكثر انكشافًا من مناطق عديدة في الجنوب، مستشهدًا بعمليات الاغتيال التي استهدفت قيادات الصف الأول في حزب الله، وبقدرة الاستخبارات الإسرائيلية على الوصول إلى أهدافها داخل معاقل الحزب، معتبرًا أن ذلك يعكس حجم الاختراق الأمني والاستخباراتي.
وأشار إلى أن الرئيس الأميركي سيمنح نتنياهو ما يريده بعد انتهاء المهلة المحددة للمفاوضات مع إيران، معتبرًا أن القرار النهائي في الملفات الكبرى يبقى مرتبطًا بالتفاهم الأميركي - الإسرائيلي.
وفي ما يتعلق بالجيش اللبناني، قال سركيس إن الحديث عن استقالة قائد الجيش غير مطروح، معتبرًا أن أي قرار سياسي واضح تتخذه السلطة سيكون الجيش ملزمًا بتنفيذه، وأن المؤسسة العسكرية تتحرك ضمن قرارات السلطة السياسية.
وأضاف أن الجيش ليس مطالبًا بالتنسيق المباشر مع إسرائيل، موضحًا أن التنسيق يتم عبر الآلية القائمة واللجنة المعنية بتنفيذ التفاهمات، والتي تضم ضابطًا أميركيًا وضابطًا لبنانيًا وضابطًا إسرائيليًا.
ورأى أن حزب الله يرفض تنفيذ اتفاق الإطار، محذرًا من أن استمرار هذا الرفض سيقود إلى جولة جديدة من الحرب ستلحق دمارًا واسعًا بلبنان، محملًا الحزب مسؤولية أي تصعيد محتمل.
واعتبر أن الدولة اللبنانية كان يفترض أن تطلب من الأمم المتحدة وضع لبنان تحت الفصل السابع لتحريره من النفاموذ الإيراني، على حد تعبيره، مشيرًا إلى أن استمرار الوضع الحالي يضع لبنان أمام مخاطر كبيرة.
وتطرق سركيس إلى الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية إلى واشنطن، معتبرًا أن نجاحها يرتبط باللقاء المرتقب مع الرئيس الأميركي، وأن لبنان لم يعد يحتمل المزيد من التأخير في معالجة الملفات المطروحة.
وفي الشأن الفرنسي، اعتبر أن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا تعكس محاولة فرنسية للعودة إلى المشهد الإقليمي بعد تراجع دور باريس في لبنان، لكنه أبدى اعتقاده بأن فرص نجاح هذه المحاولة محدودة في ظل الحضور الأميركي المتقدم في المنطقة.
أما في ما يتعلق بزيارة وزير الخارجية السوري أحمد الشيباني إلى لبنان، فرأى سركيس أنها جاءت في توقيت إقليمي بالغ الأهمية، في ظل إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، معتبرًا أن سوريا استعادت موقعها المحوري في المعادلات الإقليمية.
وأشار إلى أن زيارة الشيباني إلى طرابلس حملت دلالات سياسية، لكنه اعتبر أن الاستقبال الشعبي الذي رافقها لم يكن مناسبًا، داعيًا إلى أن تبقى العلاقة مع سوريا ضمن إطار الدولة ومؤسساتها، بعيدًا عن مشاهد الاستقبال الحزبي أو الشعبي التي سبق أن رافقت زيارات مسؤولين إيرانيين إلى لبنان.
وأكد أن على الطائفة السنية في لبنان أن تكون شريكًا فاعلًا في المرحلة المقبلة، من دون الارتهان لأي طرف خارجي، مشددًا على أن حماية لبنان لا يمكن أن تتحقق إلا عبر الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
وختم سركيس بالتأكيد أن اتفاق الطائف، رغم حاجته إلى تطوير وتطبيق كامل لبنوده، لا يزال يشكل الإطار الأنسب لتنظيم الحياة السياسية اللبنانية، محذرًا من أن أي عبث بالصيغة الحالية من دون توافق وطني سيؤدي إلى نتائج خطيرة، معتبرًا أن الأولوية تبقى لحصر السلاح بيد الدولة وتعزيز مؤسساتها.
لمشاهدة الحلقة كاملة، الرجاء الضغط على الرابط أدناه: