July 07, 2026   Beirut  °C
سياسة

العميد الركن المتقاعد إلياس حنا: انسحاب إسرائيل من بعض النقاط لا يعني نهاية السيطرة العسكرية

بعدما ذكرت القناة 13 الإسرائيلية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يناقش مع المجلس الوزاري المصغر مسألة الانسحاب من نقاط داخل الأراضي اللبنانية، من دون تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعة هذه النقاط أو توقيت أي انسحاب محتمل، اتجهت الأنظار إلى طبيعة هذا النقاش وما إذا كان يعكس إعادة تقييم للوجود الإسرائيلي في بعض المواقع الحدودية.

وفي موازاة ذلك، تتحدث تقارير عن مسار تنسيق بين الجيش الإسرائيلي والجيش اللبناني بوساطة أميركية، ضمن ما يعرف بـ "المناطق التجريبية"، على أن تستكمل هذه الآلية بعد حصول الجانب الإسرائيلي على تأكيدات من الجانب اللبناني ومن القيادة المركزية الأميركية بشأن الجاهزية للانتقال إلى هذه المرحلة.

فهل يشير الحديث عن الانسحاب إلى تغيير في الواقع الميداني جنوب لبنان، أم أنه يندرج ضمن إعادة تموضع عسكري من دون التخلي عن معادلة السيطرة؟

انطلاقا من هذا الطرح، قدم الخبير الاستراتيجي والعسكري العميد الركن المتقاعد إلياس حنا قراءة عسكرية، معتبرا أن أهمية النقاط التي تتمسك بها إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية لا تقتصر على كونها مرتفعات أو مواقع انتشار، بل تؤدي ثلاث وظائف أساسية.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الوظيفة الأولى تتمثل في المراقبة والرصد، إذ تسعى إسرائيل إلى التمركز في مرتفعات ومحاور تسمح لها بمتابعة الحركة في جنوب لبنان، لا سيما في القرى الأمامية والطرق المؤدية إلى العمق، مشيرا إلى أن من يسيطر على النقاط الحاكمة يمتلك، من الناحية العسكرية، قدرة الإنذار المبكر.


وقال حنا إن الوظيفة الثانية هي النار والضغط، إذ لا تقتصر أهمية هذه المواقع على الرصد، بل تتيح أيضا استخدام النيران من مواقع حاكمة بما يؤثر في القرى المحيطة ويجعل أي حركة ضمن نطاقها مكلفة ومحسوبة، مشيرا إلى أن الوظيفة الثالثة تتمثل في كون هذه النقاط أوراقا تفاوضية. ولفت إلى أن إسرائيل لا تريد الانسحاب منها قبل الحصول على ضمانات تتعلق بانتشار الجيش اللبناني ومنع عودة حزب الله إلى تلك المناطق، انطلاقا من مبدأ "الانسحاب مقابل ضمانات" وليس "الانسحاب أولا ثم البحث بالأمن لاحقا".


واعتبر أن أهمية هذه النقاط تتجاوز بعدها الجغرافي، إذ تنظر إليها إسرائيل باعتبارها جزءا من منطقة أمنية أو خط دفاع أمامي يهدف إلى إبعاد حزب الله عن الحدود، وحماية المستوطنات، ومنع إعادة بناء البنية العسكرية، في حين ينظر إليها لبنان باعتبارها استمرارا للاحتلال، حتى وإن وصفتها إسرائيل بأنها مراكز أمنية مؤقتة، وهو ما يشكل جوهر الخلاف بين الطرفين.


وفي معرض حديثه عن سيناريو الانسحاب، بيّن حنا أن انسحاب إسرائيل من بعض النقاط داخل الأراضي اللبنانية لا يعني بالضرورة التخلي عن السيطرة العسكرية، بل قد يعكس انتقالا من انتشار أمامي مباشر إلى تموضع أكثر مرونة على الحدود، مدعوما بالنيران ووسائل الاستطلاع والطائرات المسيرة. وتابع: هذا التغيير قد يأخذ ثلاثة أشكال: سحب القوات من نقاط مكشوفة أو مرتفعة الكلفة، وتعزيز المواقع المقابلة داخل الأراضي الإسرائيلية، لا سيما في منطقة إصبع الجليل، إلى جانب الاحتفاظ بقدرة التدخل السريع في حال رصد أي تحرك تعتبره إسرائيل تهديدا.


وشدد على ضرورة التمييز بين الانسحاب العسكري، الذي يعني خروج الجنود والآليات من موقع معين، والانسحاب العملياتي، الذي يعني التخلي عن القدرة على التحكم بالنيران والوسائل الاستخبارية في تلك المنطقة، معتبرا أن المعطيات الحالية تشير إلى احتمال انسحاب من بعض النقاط، لا من معادلة السيطرة.


ورأى حنا أن أي انسحاب محتمل يفتح احتمالين: الأول أن تتحول هذه المناطق إلى نموذج للاستقرار إذا انتشر الجيش اللبناني سريعا ومنع أي فراغ أمني، بما يعزز حضور الدولة، والثاني أن تصبح بؤر احتكاك جديدة إذا استمرت الضربات الإسرائيلية أو حاول حزب الله إعادة التموضع، في ظل صعوبة فرض سيطرة كاملة على الأرض، مؤكدا أن الدور المطلوب من الجيش اللبناني يتجاوز الانتشار الرمزي، إذ يفترض أن يتحول إلى السلطة الأمنية الوحيدة في تلك المناطق، وهو ما يتطلب قرارا سياسيا واضحا، ودعما دوليا، إلى جانب التزام إسرائيلي بوقف الخروقات.


ولفت إلى أن الانسحاب من بعض النقاط قد يخفف احتمالات المواجهة، لكنه لا يلغيها، لأن طبيعة الجبهة في جنوب لبنان لا تزال شديدة الحساسية، موضحا أن خفض التوتر يبقى مرتبطا بثلاثة شروط أساسية: انتشار فعلي للجيش اللبناني، ووقف الخروقات الإسرائيلية، ومنع عودة أي سلاح خارج إطار الدولة إلى تلك المناطق، وإلا فإن المواجهة قد تتخذ أشكالا مختلفة، من الضربات الجوية إلى المسيرات والاستطلاع، بدلا من الاشتباك المباشر على الأرض.


في نهاية المطاف، يبقى الحديث الإسرائيلي عن الانسحاب بحاجة إلى ترجمة فعلية على الأرض، إذ إن أي خطوة من هذا النوع في حال حصولها، لن تكون منفصلة عن الحسابات الأمنية والعسكرية التي تحكم المقاربة الإسرائيلية في جنوب لبنان. لذلك، يبقى الرهان على طبيعة الخطوات التي ستلي النقاشات، وما إذا كانت ستقود بالفعل إلى تغيير فعلي في الواقع الميداني.