كشفت تقارير صادرة عن هيئة البث الإسرائيلية وصحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مرحلة جديدة من الغموض حول مستقبل الجنوب اللبناني، بعد كشفها عن تنسيق عملياتي غير مباشر يدار برعاية القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لإنشاء ما يعرف بـ "المنطقة التجريبية".
وتعد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إحدى القيادات التابعة لوزارة الدفاع الأميركية، وتضطلع بمهام تنسيقية ومتابعة لعدد من الملفات الأمنية في مناطق مختلفة، من بينها متابعة ترتيبات وقف إطلاق النار والتنسيق مع الجيش اللبناني في ما يتعلق بالإجراءات الميدانية المرتبطة بالحدود.
وبحسب هذه المعطيات، تُحدد بلدات ذات حساسية ميدانية، مثل فرون والغندورية وزوطر الغربية، باعتبارها "مواقع خالية من التواجد المسلح"، على أن تسلم للجيش اللبناني بالتوازي مع انسحابات إسرائيلية تدار وتراقب بالكامل من واشنطن، ومن دون أي تواصل مباشر بين الطرفين.
هذا التطور يطرح تساؤلات تتجاوز البعد التقني للمشهد، إذ يعيد فتح النقاش حول ما إذا كان الجنوب اللبناني يتجه نحو ترتيبات أمنية ميدانية جديدة تتجاوز إطار وقف إطلاق النار، أم أن ما يتداول لا يزال في دائرة التسريبات السياسية والإعلامية التي تستهدف إعادة صياغة قواعد الاشتباك وفرض وقائع جديدة على الأرض. وفي الحالتين، يبقى السؤال الأبرز حول الأطراف التي تقف خلف تسويق هذا الطرح، والدوافع المرتبطة بالتوقيت الحساس الذي يظهر فيه.
وفي هذا السياق، أشار عضو المجلس العسكري ومنسق الحكومة اللبنانية السابق مع "اليونيفيل" اللواء الركن الدكتور عبد الرحمن شحيتلي إلى أن أحد أهداف العملية العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان يتمثل في السعي للوصول إلى صيغة تنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي من دون طرف ثالث. وقال إن هذا الهدف يعد من الأهداف الأساسية للعملية، مشيرا إلى أن إسرائيل تسعى لتحقيقه، في حين يرفض الجيش اللبناني أي تنسيق مباشر، متمسكا باستمرار القنوات غير المباشرة عبر القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).
ورأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الآلية المطروحة تقوم على تبادل الخطط العسكرية بشكل غير مباشر؛ حيث يضع الجيش اللبناني خطته للانتشار، وتقوم "سنتكوم" بالاطلاع عليها وتنسيقها مع الجانب الإسرائيلي، بما يتيح توثيق مواقع الانتشار، بينما يقدم الجيش الإسرائيلي خطته المتعلقة بالانسحاب عبر القناة نفسها، لتكون "سنتكوم" حلقة الربط بين الطرفين في إطار ما يعرف بالمناطق التجريبية. وقال إن هذا المسار يحصل عادة ضمن بروتوكولات رسمية تنظم كيفية التعامل والتنسيق، بما يشمل آليات الاتصال وحل الإشكالات الميدانية وتحديد قواعد التنفيذ، من دون أي تواصل مباشر بين الجيشين، بل عبر وسيط دولي يضبط مجمل العملية.
وأشار شحيتلي إلى أن أي عمليات أو ترتيبات عسكرية بين الجيش اللبناني وأي طرف دولي كانت تدار سابقا عبر "اليونيفيل"، بينما تحصل اليوم عبر القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، وفق بروتوكولات رسمية توقع من قيادة الجيش وتحدد آليات التنسيق، بما يشمل طرق الاتصال وخطط الانتشار ومعالجة الإشكالات الميدانية، مشددا على أن هذا النموذج يقوم بالكامل على التنسيق غير المباشر، من دون أي اتصال مباشر بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي. وأكد أن قائد الجيش العماد رودولف هيكل يرفض هذا النوع من التواصل، ويتمسك بعدم الانتشار في أي منطقة لم ينسحب منها الجيش الإسرائيلي بعد، باعتبار ذلك من الثوابت المعتمدة في قواعد العمل الميداني.
وتابع: هذه المسلمات تشكل الإطار العملي الذي سيحكم تحركات الجيش اللبناني في المرحلة المقبلة، وفق آليات تنسيق غير مباشر منضبطة ببروتوكولات رسمية، بعيدا عن أي تواصل مباشر مع الجيش الإسرائيلي. وقال إن هذا الطرح، في بعده السياسي والإعلامي، قد يستثمر من قبل بعض الأطراف، وفي مقدمتها إسرائيل، لتسويق فكرة أنها حققت أحد أهداف عملياتها العسكرية، من خلال الإيحاء بوجود تنسيق - ولو غير مباشر- مع الجيش اللبناني عبر وساطات دولية، بما يمنح هذا المسار بعدا سياسيا يتجاوز طبيعته التقنية الميدانية.
في المحصلة، ينظر إلى هذا الطرح بوصفه أداة ضغط سياسي وإعلامي تهدف إلى إعادة صياغة المشهد في جنوب لبنان وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما يحد من هامش حركة الدولة اللبنانية. وبين البعد الميداني والتأويل السياسي، يبقى الأمر جزءا من صراع أوسع على النفوذ وتوجيه السرد، ما يطرح تساؤلات حول الجهات المستفيدة من ترويجه في هذا التوقيت.