بعد أكثر من خمسة أشهر على اغتياله مع عدد من أفراد عائلته في ضربة أميركية - إسرائيلية مشتركة، انطلقت في إيران مراسم تشييع المرشد السابق للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، والتي يُتوقع أن تستمر ستة أيام، بمشاركة أكثر من 20 مليون إيراني، وفق ما أعلن مسؤولون إيرانيون، وذلك في توقيت يثير عدة تساؤلات. واللافت غياب المرشد الحالي، مجتبى خامنئي، عن مراسم تشييع والده، ما يثير مزيدًا من الريبة حول وضعه الصحي والجسدي.
كما يلفت أيضًا الحضور الدولي والعربي في مراسم التشييع، الذي لم يكن على مستوى الصف الأول من الزعماء، بل اقتصر على وفود تمثل الدول الحليفة لطهران، في ظل غياب كامل للدول المناهضة لمحور الممانعة. أما لبنان، الذي أرسل وزير دفاعه، ميشال منسى، إلى التشييع، فقد قوبلت هذه الخطوة بامتعاض داخلي وانتقاد أميركي، لا سيما أن بيروت تسعى في الفترة الراهنة إلى الخروج من تحت عباءة النفوذ الإيراني.
وفي قراءة لمشهدية تشييع خامنئي وتوقيتها، أشار الكاتب والمحلل السياسي إلياس الزغبي إلى أن التقليد الإيراني يقوم على مظاهر احتفالية خاصة بكبار القادة الذين يسقطون في سياق الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لافتًا إلى أن هذه المراسم تأخذ طابعًا يتجاوز البعد الجنائزي إلى بعد سياسي ورمزي واضح، يعكس طبيعة النظام في توظيف المناسبات العامة لتثبيت حضوره الداخلي وإظهار قدرته على التعبئة، وهو تقليد بدأ مع رحيل مؤسس الجمهورية الإسلامية، الإمام الخميني.
وأضاف، عبر منصة "بالعربي"، أن الظروف السياسية والعسكرية التي نشأت بعد حرب الأربعين يومًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما رافقها من تطورات ميدانية، أدت إلى تداعيات جسيمة انعكست على المشهد العام، سواء على مستوى الداخل الإيراني أو على مستوى علاقاته الإقليمية والدولية، الأمر الذي استدعى نوعًا من العراضة السياسية والشعبية، وفق توصيفه.
وتوقف الزغبي عند مسألة المشاركة الدولية في هذه الجنازة "المتمادية زمنيًا"، بحسب تعبيره، موضحًا أن مستوى التمثيل عكس غيابًا واضحًا للدول الغربية بشكل عام وحلفائها، في مقابل حضور محدود وعلى مستويات متدنية من بعض الدول التي ترتبط بعلاقات مباشرة أو جيدة مع إيران، وفي مقدمتها الصين وروسيا.
وقال إن اللافت في هذا السياق هو غياب القيادات الأولى في هذين البلدين، حيث اقتصر الحضور على مستويات أقل من التمثيل الرسمي، وهو ما يطرح، بحسب قراءته، دلالات سياسية تتعلق بطبيعة الموقف الدولي من طهران وحدود الانخراط في مناسبات ذات طابع داخلي إيراني.
ورأى أن هذا الواقع يعكس قدرًا من تعنت طهران في التعاطي مع القضايا الدولية الكبرى، ومن بينها ملفات حساسة مثل قضية مضيق هرمز، بما يعزز حالة الحذر الدولي في رفع مستوى التمثيل أو الانخراط السياسي في هذه المناسبات.
وفي ما يتعلق بالمشاركة العربية، أشار الزغبي إلى أن لبنان كان حاضرًا رسميًا من خلال وزير الدفاع، ميشال منسى، وهي خطوة أثارت علامات تساؤل واستفهام، خصوصًا في ظل الخلافات العميقة بين بيروت وطهران المرتبطة بملف التدخل الإيراني في الشؤون اللبنانية، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو المالي.
وأضاف أن هذه المشاركة تأتي في وقت يشهد فيه لبنان محاولات للانفتاح على مسار سياسي مستقل، بعيدًا عن أي وصاية خارجية، بما في ذلك السعي إلى تثبيت قرار وطني مستقل في إدارة الملفات الحساسة، وفي مقدمتها العلاقات الإقليمية ومسارات التفاوض المرتبطة بالصراع مع إسرائيل.
كما أشار إلى أن مشاركة وزير الدفاع واجهت تحفظات داخلية، لا سيما من قبل القوى السيادية، في ظل استمرار الجدل حول طبيعة العلاقة مع إيران ودورها في لبنان، لافتًا إلى أن السفير الإيراني ما زال موضع رفض في بيروت، ولم يُعتمد رسميًا، ما يحد من نشاطه الدبلوماسي وفق الأطر المعترف بها دوليًا.
ولفت إلى وجود امتعاض داخلي في لبنان، إلى جانب انتقادات أميركية لمشاركة وزير الدفاع في هذه المناسبة، معتبرًا أن هذا الأمر يعكس حساسية الموقف اللبناني وتعدد المرجعيات السياسية المؤثرة فيه.
أما على المستوى العربي، فأشار الزغبي إلى وجود مشاركة سعودية، إلا أنها، بحسب تقديره، لم تكن على مستوى رفيع، إذ اقتصرت على وفد برئاسة نائب وزير الخارجية، أي ضمن المستوى الثالث في التمثيل الرسمي داخل المملكة. وأضاف أن هذه المشاركة قد تكون مرتبطة بتفاهمات جرت بين الرياض وطهران برعاية صينية، ضمن ما يُعرف بـ"تفاهم بكين"، وهو تطور مهم في سياق إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية، رغم التباينات العميقة بين الطرفين، لا سيما بعد اعتداءات إيران على دول الخليج العربي خلال الحرب الأخيرة.
غير أنه شدد على أن هذا التفاهم لا يلغي طبيعة العلاقة الحذرة، بل يعكس فقط محاولة إدارة الخلافات ضمن سقف سياسي أقل توترًا، خصوصًا في ظل استمرار التوترات المرتبطة بالسياسات الإيرانية في المنطقة.
ولفت الزغبي أيضًا إلى أن اجتماعًا مهمًا عُقد في البحرين قبل نحو عشرة أيام، بمشاركة الولايات المتحدة الأميركية ومجلس التعاون الخليجي، وصدر عنه بيان مهم يتعلق بضرورة التصدي للتدخلات الإيرانية في المنطقة، ما يعكس استمرار القلق الإقليمي من سياسات طهران، وتأييده الموقف اللبناني الرسمي بعد اتفاق الإطار الذي وُقّع برعاية أميركية.
وعن حديث رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، عن أن المشاركة الكثيفة في مراسم تشييع خامنئي انتقام لدمائه، استغرب الزغبي كيف أن محور الممانعة في لبنان، ممثلًا بـ"حزب الله"، يوجه الشكر لإيران لمساندتها لبنان، فيما جنوبه مدمر، مذكرًا بأن طهران أرسلت وفدًا للمشاركة في جنازتي السيدين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين من دون الانتقام العسكري لهما، فيما فرضت، في المقابل، على الحزب الانتقام لخامنئي من خلال الصواريخ الستة التي أطلقها، والتي أدت لاحقًا إلى الكارثة العسكرية التي لا تزال ترخي بظلالها حتى اليوم.
وقال: "المريب والمثير أن وفد "حزب الله" تفجع بدموع حارة على خامنئي، في حين لم يذرف دمعة واحدة على مئات وآلاف الشبان الذين دفعهم إلى الموت في جنوب لبنان، بل منع أهلهم من البكاء والحزن على فلذات أكبادهم".
وعليه، تظهر مراسم تشييع علي خامنئي أن الحدث تجاوز طابعه الجنائزي ليعكس رسائل سياسية واضحة داخل إيران وخارجها، سواء من حيث حجم الحشد أو طبيعة التمثيل الدولي والعربي. كما أبرزت محدودية المشاركة الخارجية، واستمرار الجدل الإقليمي حول الدور الإيراني، حجم الانقسام في المواقف من طهران.