قالها رئيس الجمهورية جوزاف عون بكل صراحة ووضوح، ومن دون مواربة، ردا على المشككين والمتحاملين على اتفاق الإطار الذي أبرمته الدولة اللبنانية مع إسرائيل في واشنطن، مؤكدا أن المفاوضات ليست خيانة للوطن، بل هي "حرب دبلوماسية" لا تراق فيها الدماء، ومشددا على أن من يحترم مبدأ السيادة عليه أن يحترم قرار الدولة.
وإذا كان الرئيس عون قد وجه رسالته، في جانب منها، إلى حزب الله ومن يدور في فلكه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أليس الأجدى بهذا الفريق، بعدما تكبد خسائر عسكرية باهظة، أن يمنح هذا الاتفاق فرصة، لعلها تسهم في إنقاذ بيئته التي دفعت أثمانا باهظة جراء الحرب وما خلفته من مآس إنسانية ودمار واسع؟
وفي وقت تتضافر فيه جهود رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والحكومة لإعادة تثبيت الاستقرار في البلاد، لا يزال فريق الممانعة يتمسك بمواقفه، غير آبه بما لحق بالجنوب وأهله، وبمناطق لبنانية أخرى، من قتل ودمار، في ظل استمرار التداعيات الميدانية حتى اليوم.
من جهته، أكد رئيس حزب الوطنيين الأحرار النائب كميل شمعون تأييده الكامل لمواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون بشأن إدارة المرحلة الراهنة، معتبرا أن أبرز ما حققه الرئيس عون هو إعادة القرار اللبناني إلى كنف الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وهو أمر، بحسب تعبيره، يرحب به جميع اللبنانيين.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الحرب الدائرة في لبنان لا يمكن أن تنتهي إلا عبر المسار الدبلوماسي، بعدما أثبتت التجارب السابقة أن الخيارات العسكرية لم تحقق أي نتائج، لا على المستوى العسكري ولا الميداني. وقال إن لبنان يمتلك اليوم فرصة حقيقية لإنهاء الدمار والتهجير والمعاناة التي يعيشها اللبنانيون، مؤكدا أن الحل الدبلوماسي يبقى الوسيلة الوحيدة لوقف الحرب والصراع.
وأشار شمعون إلى أن لبنان لم يتنازل عن أي شبر من أراضيه خلال المفاوضات الجارية، معتبرا أن كل ما يقال خلاف ذلك هو "كلام فارغ". وقال إن وصف هذه المساعي بالخيانة أمر مرفوض، لأن لبنان دخل في مفاوضات هدفها الوصول إلى هدنة وإحلال السلام، حتى وإن كانت نتائجها النهائية لا تزال غير معروفة، إلا أنها تشكل فرصة لوقف الحرب والنزيف، شرط توافر نية مماثلة لدى طرف حزب الله لإنهاء المواجهات.
ورأى أن إنهاء الحرب من شأنه أن يخفف من معاناة البيئة الشيعية، معتبرا أنها الأكثر تضررا من استمرار القتال. وأكد دعمه الكامل لرئيس الجمهورية والحكومة والجهود الرسمية المبذولة، إلى جانب الدور الذي تقوم به الدول الصديقة لمساعدة لبنان على تجاوز هذه المرحلة الصعبة.
وفي معرض تعليقه على تأكيد رئيس الجمهورية جوزاف عون أن احترام السيادة يقتضي احترام قرار الدولة، اعتبر شمعون أن المقصود بذلك هو أن الفريق الآخر يعمل خارج إطار الدولة اللبنانية، معتبرا أن قراره مرتبط مباشرة بإيران، ولا يعكس، بحسب رأيه، موقفا سياديا أو وطنيا، لأن القرار الوطني يجب أن يصدر عن رئيس منتخب ديمقراطيا وعن المؤسسات الدستورية الشرعية.
وقال إن يختلف مع رئيس الجمهورية في نقطة واحدة، وهي منحه هذا الفريق مهلة عامين، أملا في أن يعيد النظر في مواقفه ويدرك حجم الأضرار التي ألحقها بلبنان. ولفت إلى أن هذه المهلة انقضت من دون أي نتائج إيجابية، بل على العكس، إذ ازدادت الأوضاع سوءا، وأصبحت مساحات واسعة من الجنوب محتلة، فيما تعرضت أكثر من 70 بلدة للدمار، معتبرا أن هذا هو الواقع الذي يعيشه اللبنانيون اليوم، وأنه لم يعد أمام لبنان سوى الاستمرار في المسار الدبلوماسي لإنقاذ البلاد.
وردا على سؤال بشأن استمرار رفض حزب الله الالتزام بدعوات الرئيس جوزاف عون، والرئيس نواف سلام، والحكومة، لإحلال الاستقرار في لبنان، تحدث شمعون عن أن هناك قرارات صادرة عن الأمم المتحدة، وفي مقدمها القرار 1701، بكل بنوده وتفاصيله، وقد وضع أساسا لإنهاء الحرب ووقف إطلاق النار. وقال إن كل الأطراف التي وقعت على اتفاق وقف إطلاق النار ملزمة باحترام تعهداتها، مؤكدا أنه لا يجوز لأي طرف أن يوقع على اتفاق ثم يحاول لاحقا تغيير مضمونه أو الالتفاف عليه، لأن الالتزام بالتوقيع هو أساس أي اتفاق دولي.
وأشار إلى أن القرارات الدولية، ومنها القراران 1701 و1559، تتضمن بنودا واضحة تتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وتنفيذ قرارات الحكومة، موضحا أنه في حال عجز الدولة اللبنانية والجيش اللبناني والقوى الشرعية عن تنفيذ هذه القرارات وفرض الأمن، فإن القرارات الدولية تتيح للبنان المطالبة بتطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بما يسمح بإرسال قوة دولية لمؤازرة الجيش اللبناني في تنفيذ مهامه.
واعتبر شمعون أن الوصول إلى هذه المرحلة سيشكل تحولا كبيرا، لأن دخول قوات دولية إضافية إلى لبنان تحت رعاية الأمم المتحدة سيدخل البلاد في مرحلة جديدة تحمل تداعيات معقدة، آملا في ألا يضطر لبنان إلى بلوغ هذا الخيار.
وأكد أن أي طلب لتطبيق هذا المسار لا يمكن أن يتم إلا بقرار رسمي يصدر عن الدولة اللبنانية، ويستلزم موافقة كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، الأمر الذي من شأنه أن يغير المشهد السياسي والأمني بصورة كاملة.
وفي ظل استمرار النزيف في الجنوب، تبدو الأولوية اليوم لترسيخ قرار الدولة، وإنجاح المسار الدبلوماسي قبل فوات الأوان، لأن البديل لن يكون سوى المزيد من الدمار والخسائر، وربما انتقال لبنان إلى مرحلة أشد تعقيدا على المستويين الأمني والسياسي.