July 04, 2026   Beirut  °C
سياسة

العميد بسام ياسين: القوة الجديدة هدفها طمأنة إسرائيل.. والأخيرة لا تريد جيشا لبنانيا قويا على حدودها

تعود التصريحات الفرنسية حول مستقبل القوة الدولية في جنوب لبنان إلى الواجهة، في ظل ما تطرحه باريس من أفكار تتعلق بإمكان إنشاء قوة متعددة الجنسيات قد تستكمل أو تحل مكان "اليونيفيل" مع اقتراب انتهاء ولايتها. ويأتي هذا الطرح ضمن اهتمام فرنسي بالمواضيع اللبنانية، ورغبة في البقاء ضمن هذا المسار المرتبط بشكل الوجود الدولي في جنوبه والصيغة التي يمكن أن يعاد من خلالها تنظيمه في المرحلة المقبلة.

ويطرح في هذا الإطار النقاش حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به أي قوة دولية جديدة، وحدود مهامها وصلاحياتها، في ظل تعدد السيناريوهات المطروحة بشأن مستقبل الانتشار الدولي في المنطقة.

وانطلاقا من مقاربة تعتبر أن التصريحات الفرنسية حول إمكان انتشار قوة متعددة الجنسيات في جنوب لبنان ليست جديدة، بل تأتي في سياق نقاش متجدد حول مستقبل مهمة اليونيفيل مع اقتراب انتهاء ولايتها، قدم العميد المتقاعد بسام ياسين قراءة تشير إلى أن ما يطرح اليوم يتجاوز فكرة التمديد أو الاستبدال التقني، باتجاه إعادة صياغة أوسع لدور القوات الدولية في الجنوب.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن طرح إنشاء قوة بديلة، سواء بصيغة فرنسية – بريطانية أوروبية أو بمشاركة أميركية، لا يزال قيد التشكل وغير مكتمل من حيث الإطار النهائي، لافتا إلى أن الإشكالية الأساسية لا تتعلق فقط بشكل القوة أو هوية المشاركين فيها، بل بطبيعة التفويض الممنوح لها، وحدود صلاحياتها، وما إذا كانت ستعمل ضمن إطار يسمح باستخدام القوة وفق مقتضيات المهمة.


واعتبر ياسين أنه على الرغم من وجود رفض إسرائيلي سابق لانتشار قوات فرنسية في الجنوب نتيجة مواقف باريس السياسية في مراحل سابقة، إلا أن الموقف الفرنسي اليوم يتطور باتجاه محاولة تثبيت حضور له ضمن أي صيغة دولية مقبلة، عبر دور مباشر أو شراكة ضمن قوة متعددة الجنسيات، بما يضمن الحفاظ على موقع فرنسا في الملف اللبناني، خصوصا في ظل انخراطها في مسارات دعم الجيش ومؤتمرات المساعدات، موضحا أن الطرح اللبناني يقوم على الإبقاء على وجود دولي في الجنوب بوصفه "شاهدا" على الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية ومحاولة ضبطها، إلا أن الإشكالية الجوهرية تبقى في طبيعة هذه القوة: هل هي قوة مراقبة أم قوة تنفيذ أم بديل ميداني فعلي لدور قائم حاليا.


ورأى أن المرحلة الراهنة لا تقرأ فقط من زاوية تعديل أدوار القوات الدولية، بل من زاوية تحول أوسع في المشهد، حيث برز اتفاق الإطار الذي فرض بضغط أميركي على مختلف الأطراف، ما يجعل الواقع أقرب إلى ترتيبات أمر واقع بدلا من كونه استمرارا للمنظومة السابقة.


وفي ما يخص دعم الجيش اللبناني، اعتبر ياسين أن هذا الدعم يأتي ضمن مقاربة أوسع تهدف إلى تعزيز دوره في مهام عدة، من بينها الانتشار وحصر السلاح وضبط الحدود، مشيرا إلى أن هذا المسار مرتبط بطبيعة الوظيفة المطلوبة من الجيش ضمن أي ترتيبات جديدة، وبمدى توافقها مع التوقعات الدولية والإقليمية.


ولفت إلى أن هناك تباينا في الرؤية حول دور الجيش، إذ تسعى الأطراف الداعمة إلى تقويته ليكون الجهة الأساسية المسؤولة عن الأمن على الحدود وفي الداخل، فيما تنظر إسرائيل إلى هذا التعزيز من زاوية مختلفة، تقوم على رفض قيام جيش قوي على حدودها الجنوبية بالشكل الذي قد يحد من قدرتها على فرض وقائع ميدانية، ما يضع فكرة دعم الجيش بين اتجاهين متناقضين: تعزيز دوره الرسمي من جهة، وضبط سقف قوته من جهة أخرى.


وبيّن ياسين أن الصيغة التقليدية التابعة للأمم المتحدة أي قوات حفظ السلام، لم تعد مطروحة كما في السابق، إذ لم يعد الهدف منه مجرد الانتشار، بل باتت الطروحات تتجه نحو قوة متعددة الجنسيات يكون هدفها الأساسي طمأنة إسرائيل على حدودها الشمالية ومنع أي تهديد للمستوطنات في الشمال الإسرائيلي. وقال إن هذا التوجه يتقاطع مع فكرة أن تكون هذه القوة، في بعض الطروحات، بديلا عن وجود الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، إلى جانب ارتباطه بطرح ما يسمى بالمناطق الاقتصادية، والتي تعتبر، بحسب رأيه، غطاء لمفهوم المنطقة الأمنية أو المنطقة العازلة.


وأكد أن ما يحصل يعكس مقاربة جديدة لوضع الجنوب، تقوم على إعادة صياغة دور كل الأقاليم فيه، في ظل عمليات التدمير الكبيرة التي طالت المنطقة الجنوبية، والتي اعتبر أنها تمهد لنقل السكان من الجنوب، لافتا إلى أن مشروع المنطقة الأمنية والمنطقة العازلة حول الحدود الإسرائيلية يعد مشروعا مكملا لهذا المسار، بانتظار أن نرى مدى قابلية أهالي الجنوب لقبول هذا الواقع.


في نهاية المطاف، لا تزال النقاشات حول مستقبل القوة الدولية في جنوب لبنان غير محسومة، سواء لجهة شكل هذا الوجود أو طبيعة دوره أو هوية الدول التي قد تشارك فيه، في ظل استمرار طرح مقاربات عدة من دون أن تتبلور حتى الآن صيغة نهائية واضحة. وبين هذه الطروحات، يبقى المشهد مفتوحا على أكثر من احتمال بانتظار ما ستنتهي إليه الاتصالات والتفاهمات المرتبطة به.