أثار تصريح رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى صحيفة الديار، الذي أكد فيه أن الدولة اللبنانية وحدها يجب أن تكون المرجعية الوحيدة للسلاح، تساؤلات واسعة حول توقيت هذا الموقف ودلالاته، لا سيما وأنه جاء بالتزامن مع سلسلة من التطورات السياسية والأمنية التي يشهدها لبنان، ابتداءً من مسار اتفاق الإطار مع إسرائيل، مرورا بعودة الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على مسؤولين ومؤسسات تابعة لحزب الله، وصولا إلى الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت.
وفي موازاة ذلك، تتساءل الأوساط السياسية والمراقبة عما إذا كان موقف الرئيس بري يعكس تمايزا إضافيا عن الحزب في مقاربة ملف السلاح، أم أنه يندرج في إطار المناورات السياسية التي لطالما انتهجها رئيس المجلس تبعا للظروف والتوازنات القائمة، بما يجعل هذا الموقف قابلا لإعادة التموضع أو التعديل إذا ما تبدلت المعطيات الداخلية أو الإقليمية.
وفي هذا الإطار، أوضح الصحافي والباحث السياسي أنطوان سعد أن موقف الرئيس نبيه بري، يمكن قراءته انطلاقا من القرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية في مطلع آذار الماضي، عندما أكدت بشكل واضح وحاسم أن كل سلاح خارج إطار الدولة هو سلاح غير شرعي، ولا يجوز أن يبقى موجودا، وأن معالجته يجب أن تحصل كما هو الحال في سائر الدول الديمقراطية. وقال إن لهذا الطرح أبعادا أخرى قد تندرج ضمن المواقف السابقة للرئيس نبيه بري، الذي كان يردد أن المطلوب أولا هو انسحاب إسرائيل، ومن ثم الانتقال إلى معالجة ملف سلاح حزب الله، سواء من خلال الحوار أو عبر وضع استراتيجية دفاعية وطنية، وهو أمر بات حزب الله نفسه يتحدث عنه.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن هذا الكلام يحمل مؤشرات إيجابية لناحية تثبيت السقف الوطني العام القائم على حصرية حق الدولة في امتلاك السلاح. إلا أنه، من الناحية السياسية، لا يستبعد أن تبقى هناك محاولات للالتفاف على هذا الموقف أو التراجع عنه تبعا للظروف والتوازنات، لا سيما وأن الرئيس بري يحرص على جمهوره وعلى وحدة الطائفة الشيعية، ولذلك لن يذهب بعيدا في مسألة حصر السلاح بيد الدولة من دون السعي إلى حفظ مكاسب حزب الله ضمن أي تسوية محتملة.
ورأى سعد أن التطورات المقبلة ستكون كفيلة بإظهار مدى ثبات هذا الموقف، وما إذا كان يعكس بالفعل تمايزا واضحا عن حزب الله، خصوصا في ظل استمرار الحزب في رفضه القاطع تسليم سلاحه، معتبرا أن موقف الرئيس بري يندرج في سياق استمرارية الموقف الرسمي الذي أعلنه مجلس الوزراء بشأن حصرية السلاح بيد الدولة، إلا أن التفاصيل التنفيذية لا تزال موضع نقاش، في ظل محاولات بري المستمرة لتدوير الزوايا وإيجاد مخارج سياسية لمسألة باتت تبدو شبه حتمية في ضوء المعطيات المحلية والإقليمية والدولية الراهنة.
وأشار إلى أن حزب الله لا يزال يراهن على متغيرات قد تتيح إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ومحاولة استعادة نفوذ كان قائما حتى وقت قريب، إلا أن مسار الأحداث والمعطيات الحالية يوحيان بأن الواقع يتجه في اتجاه مختلف.
وعليه، لا شك في أن ثمة تمايزا واضحا بين مقاربة رئيس مجلس النواب نبيه بري ومقاربة حزب الله حيال عدد من الملفات، لا سيما وأن فكر بري يستند إلى رؤية ذات بعد لبناني - عربي في مقاربة الشؤون الوطنية. إلا أن هذا التمايز يبقى محكوما باعتبارات سياسية دقيقة وخطوط حمراء لا يمكن للرجل تجاوزها، وفي مقدمتها الحفاظ على تماسك البيت الشيعي ومنع أي شرخ داخله. لذلك، دأب رئيس المجلس على انتهاج سياسة تدوير الزوايا والبحث عن التسويات، سواء داخل بيئته السياسية أو على مستوى البلاد، في محاولة دائمة لتجنيب لبنان الانقسامات الحادة وإبعاد شبح الفتنة.