في ظل الجدل المتصاعد حول "اتفاق الإطار" بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، تتواصل المواقف المتباينة بشأن مضمونه ومرجعياته القانونية والسياسية، في وقت يشهد فيه الداخل اللبناني نقاشا واسعا حول تداعياته. وفي خضم هذا السجال، برز موقف الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، الذي أعلن رفضه للصيغة الحالية للاتفاق، مع إبدائه جملة من الملاحظات على مضمونه وآلية إقراره. وفي المقابل، شدد على دعمه للعهد والحكومة، وتأييده لمبدأ التفاوض المباشر وحصر السلاح بيد الدولة، ما فتح الباب أمام قراءات سياسية متباينة.
وفي هذا السياق، رأى الصحافي طوني بولس أن سياسة "اللعب على الحبلين" التي انتهجها وليد جنبلاط لعقود وصلت إلى نهايتها، وأن مواقفه الأخيرة باتت تكشف بوضوح تموضعه السياسي إلى جانب محور حزب الله وإيران، معتبرا أنه يشكل جزءا من منظومة الدولة العميقة التي عطلت قيام دولة لبنانية فعلية وأعاقت مسار الإصلاح واستعادة السيادة وحصرية قرار الدولة.
ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن استحضار جنبلاط لاتفاق الهدنة لعام 1949 بعد أكثر من خمسة وسبعين عاما يطرح مفارقة كبيرة، إذ إن القوى التي تحالف معها كمال جنبلاط، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، كانت من أبرز الجهات التي ساهمت في إسقاط هذا الاتفاق عندما كان قائما وقابلا للتطبيق. وقال: لو كانوا يعتبرون اتفاق الهدنة مرجعية قانونية ووطنية، لكانوا حافظوا عليه في حينه، بدلا من تحويل جنوب لبنان إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، ومنصة للعمل المسلح الفلسطيني، الأمر الذي قاد البلاد إلى سنوات طويلة من الحروب والانهيار.
وأشار بولس إلى أن سجل وليد جنبلاط السياسي يتضمن محطات اعتبرها انقلابا على مؤسسات الدولة، لافتا إلى أحداث السادس من شباط العام 1984، حين تحالف مع نبيه بري في مواجهة السلطة الشرعية، ما أدى إلى إخراج الجيش اللبناني من بيروت الغربية وتعزيز النفوذ السوري، وهو ما شكل، بحسب رأيه، ضربة مباشرة لهيبة الدولة وسيادتها.
وفي ما يتعلق باتفاق الإطار، اعتبر أن الاعتراض على آلية إقراره يتناقض مع الموقف الذي اتخذه وليد جنبلاط ونبيه بري من اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، والذي أبرم بالآلية التنفيذية نفسها وأصبح نافذا وملزما للدولة اللبنانية، ومنتجا لآثاره القانونية والدولية، من دون أن يعرض على مجلس النواب. وقال إن اعتماد معيارين مختلفين في تقييم اتفاقين متشابهين من حيث الآلية القانونية يطرح علامات استفهام حول الدوافع السياسية الكامنة وراء هذا الموقف.
وأكد بولس أن لبنان يحتاج اليوم إلى طي صفحة السياسات التي كرست الوصايات والمحاور، والتوقف عن تعطيل أي مسار يعزز سلطة الدولة وسيادتها، لأن استمرار الخطاب نفسه الذي حكم العقود الماضية لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات التي دفعت البلاد أثمانها الباهظة.
وفي النهاية، يبقى "اتفاق الإطار" مادة خلافية في المشهد السياسي اللبناني، إذ تتجاوز النقاشات حوله تفاصيله التقنية لتطال ملفات السيادة والتفاوض ودور الدولة، في ظل استمرار التباين في قراءة تداعياته وخلفياته السياسية.