بعد تصريح الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال مقابلته مع الإعلامي طوني خليفة، التي أكد فيها أنه لا يمانع الحوار مع حزب الله، إذا كان ذلك يصب في مصلحة البلدين، تتجه الأنظار إلى زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان، وسط ترقب لما قد تحمله من رسائل سياسية، إلى جانب الملفات المطروحة على جدول أعمالها.
ومع ما يُتداول عن احتمال لقاء الشيباني رئيس مجلس النواب نبيه بري، تبرز تساؤلات حول طبيعة المقاربة السورية الجديدة تجاه لبنان. فهل تعكس هذه الزيارة، وهذا اللقاء، انفتاحًا سوريًا على حزب الله، أم أنها ستبقى محصورة بالتواصل مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية؟
وتعليقًا على أهداف زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان، أكد الكاتب والمحلل السياسي السوري عباس شريفة أن الزيارة تحمل مجموعة واسعة من الملفات، من بينها ملف المعتقلين السوريين، وملف اتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان مع الجانب الإسرائيلي، إضافة إلى ما يُثار حول التدخل السوري في لبنان، إلى جانب العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك بين البلدين.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن من أبرز القضايا التي تحملها الزيارة الاستيضاح بشأن طبيعة اتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان مع الجانب الإسرائيلي، إلى جانب توجيه رسائل تطمين إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها بأن ما يُشاع عن وجود نية سورية للتدخل عسكريًا في لبنان عارٍ من الصحة، مؤكدًا أن سوريا لا تنوي التدخل في الشأن اللبناني، لا في الوقت الراهن ولا في المستقبل.
وأضاف شريفة أن الزيارة تحمل أيضًا رسالة دعم سياسي للبنان، مشيرًا إلى أن من أهم الرسائل التي ينقلها الشيباني تأكيد وقوف سوريا إلى جانب لبنان لمساعدته على تجاوز أزمته الحالية، وأن الحدود السورية ستبقى مفتوحة، كما أن الإمكانات السورية، والحركة الاقتصادية والتجارية بين البلدين، يجب أن تبقى مفتوحة، بما يعكس موقفًا سوريًا داعمًا للحكومة اللبنانية في ظل الظروف التي تمر بها.
وفي ما يتعلق بتصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع حول عدم ممانعته الحوار مع حزب الله إذا كان ذلك يصب في مصلحة البلدين، رأى أن هذا الموقف يعكس مقاربة تتسم بالواقعية، موضحًا أن حزب الله لا يزال فاعلًا في الشأن اللبناني، وأن له مناصرين داخل الدولة اللبنانية ومؤسساتها، رغم تصنيفه، ورغم ما صدر عن الدولة اللبنانية بشأنه.
واعتبر شريفة أن معالجة ملف الحزب لا يمكن أن تتم عبر الاستئصال أو الحصار أو ممارسة الضغوط، بل من خلال حوار صريح يحقق مصلحة لبنان وسوريا، خصوصًا أن الحزب قد ينتقل إلى موقع معادٍ للحالة السورية، في وقت لا ترغب فيه دمشق بأن يتحول لبنان إلى ساحة يتجمع فيها المعادون لها، ولا سيما أن ما وصفهم بـ"الفلول" بدأوا ينظمون أنفسهم داخل لبنان ويحظون ببعض أشكال الدعم.
وأضاف أن رسالة الرئيس الشرع واضحة في تأكيد استعداد سوريا لاتخاذ أي خطوة من شأنها تعزيز الاستقرار في لبنان، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، وحصر السلاح بيدها، لافتًا إلى أن دمشق لا ترى أن معالجة ملف حزب الله تكون عبر عمل عسكري أو ما وصفه بـ"الطريقة الإسرائيلية"، كما أنها لا تقبل، في المقابل، باستمرار هيمنة الحزب على قرار الدولة اللبنانية "على الطريقة الإيرانية". وبرأيه، فإن الحل يكمن في دمج الحزب، أفرادًا وكوادر، ضمن مؤسسات الدولة اللبنانية، بما يشكل بديلًا عمليًا، إذ لا يمكن مطالبة الحزب بحل نفسه من دون وجود بديل يتمثل في المؤسسات الرسمية، على أن يخضع، في النهاية، لقرار الدولة اللبنانية وألّا يخرج عن الإجماع الوطني.
أما بشأن ما يُتداول عن احتمال لقاء الشيباني برئيس مجلس النواب نبيه بري، فاستبعد شريفة أن يكون ذلك مدخلًا لفتح قنوات تواصل مع حزب الله، مؤكدًا أن أي لقاء مع بري يأتي بصفته رئيسًا للسلطة التشريعية، وانطلاقًا من موقعه الدستوري، لا بسبب علاقته بحزب الله أو نفوذه عليه أو امتلاكه ورقة الحزب.
وشدّد على أن الدولة السورية تحصر تواصلها بلبنان الرسمي، أي بمؤسسات الدولة اللبنانية، ولا ترغب حاليًا في فتح قنوات مع جهات ما دون الدولة، سواء كانت أحزابًا مسلحة أو جماعات أو طوائف.
واعتبر أن أهم ما يمكن أن تحققه زيارة الشيباني هو تقديم الدعم السياسي للبنان والوقوف إلى جانبه في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، لافتًا إلى أن سوريا تعاني بدورها من هذه الاعتداءات، الأمر الذي يجعل من التنسيق السياسي والدبلوماسي بين البلدين ضرورة في المرحلة المقبلة، موضحًا أنه لا يتحدث عن وحدة للمسارين السوري واللبناني، وإنما عن تنسيق ودعم وإسناد متبادل بين البلدين.
وأكد أن العلاقات اللبنانية - السورية ليست مرتبطة بظروف مرحلية، بل هي علاقة تفرضها الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، مشيرًا إلى أن البلدين، حتى وإن لم يكونا مخيرين، فهما مضطران إلى البحث عن أفضل العلاقات الممكنة، وعن أطر تعاون تخدم مصالحهما المشتركة. كما أشار إلى أن التكامل الاقتصادي بين لبنان وسوريا لا يمكن أن يتحقق من دون علاقات جيدة بين الطرفين، معتبرًا أن هذه العلاقة، بالنسبة إلى دمشق، تمثل خيارًا استراتيجيًا، وليست مجرد تكتيك سياسي أو استجابة لتحديات المرحلة.
في النهاية، قد تحمل زيارة الشيباني الكثير من التفسيرات، خصوصًا بعد التصريحات التي سبقتها حول العلاقة مع حزب الله، إلا أن المؤكد هو أن الدولة السورية تتعامل مع لبنان بمنطق العلاقات الرسمية بين الدول، بعيدًا عن أي تدخل في الشأن اللبناني، بانتظار ما ستكشفه هذه الزيارة من رسائل، وما ستترجمه المرحلة المقبلة من خطوات عملية.