أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري، بصراحته المعهودة ومن دون مواربة في مقاربة الملفات المصيرية، أن اتفاق الإطار الموقع بين لبنان وإسرائيل "لن يمر ولن يُطبق".
وجاء هذا الموقف بعد الاتصال الذي تلقاه بري من نظيره الإيراني محمد باقر قاليباف، ما أثار تساؤلات لدى المراقبين حول ما إذا كان موقفه المعلن يعكس قناعته الفعلية، أم أنه يندرج في إطار رسائل سياسية مرتبطة بالمرحلة الراهنة.
ولا يقتصر الاعتراض على اتفاق الإطار على بري وحده، إذ أعلنت قوى سياسية لبنانية أخرى رفضها لبعض بنوده، رغم أنها لا تدور في فلك إيران، ومن بينها الحزب التقدمي الاشتراكي، والتيار الوطني الحر، الذي صعّد في الآونة الأخيرة من انتقاداته لممارسات طهران وخيارات حزب الله. وهو ما يؤكد أن إبداء التحفظات على الاتفاق لا يعني بالضرورة الاصطفاف إلى جانب إيران أو حزب الله، مع بقاء الحذر من المقاربة الإسرائيلية للاتفاق عاملًا حاضرًا في حسابات المعترضين.
فهل يعكس ما أعلنه الرئيس نبيه بري قناعاته الحقيقية وثوابته السياسية، أم أن مواقفه المعلنة تختلف عما يدور في الكواليس، ولا سيما أنه لطالما قدّم نفسه بوصفه الأحرص على الجنوب وأهله، ويرى اليوم قراه وبلداته، التي بذل جهودًا لإعمارها وتطويرها، تتعرض للدمار على يد آلة الحرب الإسرائيلية؟
وفي هذا السياق، قالت الصحافية مريم مجدولين اللحام إن من الخطأ الاعتقاد أن الثنائي الشيعي يشكل جبهة واحدة في مواجهة اتفاق واشنطن، مشيرة إلى أن حزب الله، ذو الهوية الإيرانية، يعترض دفاعًا عن معادلة السلاح ومفهوم ارتباطه العقائدي بعودة الإمام المنتظر، فيما يعترض الرئيس نبيه بري دفاعًا عن شروط التفاوض وموقع الدولة والطائفة الشيعية داخل النظام.
وأضافت، عبر منصة "بالعربي"، أن حسابات بري مؤسساتية أكثر منها عقائدية، إذ يميل إلى حماية اتفاق الطائف، بخلاف حزب الله الذي يميل إلى المطالبة بعقد اجتماعي جديد، والحديث عن العددية والمثالثة، إضافة إلى ما وصفته بما طرحه وفيق صفا حول إعادة النظر في الحصة السياسية للطائفة الشيعية.
وأكدت أن خلف الاعتراضين تقف أولويتان مختلفتان؛ فحزب الله ينظر إلى الاتفاق بوصفه تهديدًا لدوره العسكري والإقليمي، بينما ينظر إليه بري بوصفه محطة قد تعيد فتح النقاش حول توازنات النظام اللبناني. لذلك، بحسب ما قالت، يرفع سقف الاعتراض، لكنه يحرص، في الوقت نفسه، على عدم إسقاط الحكومة أو ضرب الجيش أو نسف مؤسسات الدولة.
واعتبرت اللحام أن الثنائي الشيعي، في عام 2026، ليس كتلة سياسية متجانسة، فحزب الله يدافع عن مشروع، فيما يدافع بري عن نظام. وأوضحت أن الحزب يسعى إلى حماية معادلة القوة التي راكمها منذ عقود، بينما يسعى بري إلى تفادي أي فتنة، على أن تبقى أي تسوية محكومة بقواعد اتفاق الطائف، لأن أي انتقال إلى مؤتمر تأسيسي، أو مثالثة، أو إعادة توزيع للصلاحيات، قد يفتح الباب أمام توازنات لا يمكن ضبط نتائجها.
وأضافت أن تصريح بري قد يُقرأ أميركيًا على أنه رسالة داخلية، لافتة إلى أن صناع القرار في واشنطن قد يعتبرون رفع السقف الكلامي محاولة لاحتواء الشارع الشيعي وإظهار عدم التخلي عن الثوابت، مع إبقاء هامش للمساومة والقبول وتجاوز مرحلة المخاض. وأشارت إلى أنه، في حال استمرار التصعيد، قد يضع ذلك الشيعة في مواجهة مباشرة مع المشروع الأميركي في لبنان، ما قد يدفع إلى تعامل أكثر تشددًا، خصوصًا إذا اعتبرت واشنطن أن رئيس المجلس النيابي يستخدم موقعه الدستوري لعرقلة تنفيذ الاتفاق.
وقالت إنها لا تصدق أن الرئيس بري "معارض بشدة"، بل تعتبره "معارضًا ولا حول له ولا قوة".
وفي ضوء ما تقدم، لا يبدو موقف الرئيس نبيه بري مجرد اعتراض مبدئي على اتفاق الإطار، بقدر ما يبدو تموضعًا سياسيًا محسوبًا داخل هامش النظام، يرفع السقف في الشكل من دون الذهاب إلى حدود كسر التوازنات أو تفجير المؤسسات. فهو يرفض ما يرفضه، لكنه، في الوقت نفسه، يحرص على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع سائر أركان الدولة ومع مسار التسوية، بما يتيح له الحفاظ على موقعه داخل المعادلة الداخلية، من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا تبدو في وارد حساباته.