بعد زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، إلى لبنان لبحث "أهمية إنجاح آلية تنفيذ الملحق الأمني لاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل"، إضافة إلى سبل تعزيز التعاون في المرحلة المقبلة، ومع تكرار الحديث عن احتمال تشكيل قوة أميركية لمساندة الجيش اللبناني في تنفيذ المهام الموكلة إليه في الجنوب، تتجه الأنظار إلى الدور الأميركي، ولا سيما العسكري منه، في لبنان.
ويزداد التساؤل حول مدى إمكان انخراط القوات الأميركية، المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، في الساحة اللبنانية، ولو تحت عناوين إشرافية أو رقابية، وما إذا كان هذا الطرح قابلًا للتحول إلى واقع عملي، في ظل ما قد يترتب عليه من تداعيات سياسية وأمنية بالغة الحساسية على الداخل اللبناني.
وفي هذا الإطار، أكد أستاذ العلاقات الدولية الدكتور خطار أبو دياب أن الولايات المتحدة الأميركية ستؤدي دورًا محوريًا في مراقبة تنفيذ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، باعتبارها الراعي الأساسي لهذا الاتفاق، مستندًا إلى الخبرة التي اكتسبتها من خلال آلية المراقبة (الميكانيزم) التي أُنشئت عقب تفاهم 27 تشرين الثاني 2024 لمتابعة الأوضاع في جنوب لبنان.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن الولايات المتحدة تمتلك إمكانات متقدمة تؤهلها للاضطلاع بهذا الدور، وفي مقدمها شبكة واسعة من الأقمار الاصطناعية، وقدرات استخباراتية، وتقنيات رصد ومتابعة متطورة، ما يسمح لها بالإشراف على تنفيذ بنود الاتفاق ومراقبة أي خروقات قد تطرأ على الأرض.
وأشار إلى أن زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية إلى الشرق الأوسط للبنان تعكس حجم الانخراط الأميركي في المرحلة المقبلة، لافتًا إلى أن لهذه الزيارة دلالات سياسية وعسكرية تؤكد اهتمام واشنطن المباشر بمتابعة تنفيذ الاتفاق، مضيفًا أن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يتابع، في الوقت الراهن، اجتماعات مخصصة لوضع آليات التنفيذ، وخطة الانتشار، وتحديد أسس العمل خلال المرحلة المقبلة.
وردًا على تساؤلات بشأن احتمال نشر قوات أميركية في جنوب لبنان، قال أبو دياب إن هذا الاحتمال لا يزال غير مؤكد، مشيرًا إلى أن التجربة التاريخية تجعل هذا الخيار موضع حذر شديد. وذكّر بأن القوات الأميركية انسحبت من لبنان بعد أحداث عام 1983، ولا سيما عقب الهجوم الذي استهدف قوات المارينز، إلا أن ذلك لم ينه اهتمام الولايات المتحدة بالشأن اللبناني، إذ بقيت تتابع تطورات البلاد بصورة مستمرة.
وشدد على أن الوجود الأميركي، في إطار الاتفاق، سيكون، في المقام الأول، عبر عمليات المراقبة والإشراف، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تبقى الدولة الوحيدة القادرة على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل لدفعها إلى احترام الاتفاقات الموقعة وتنفيذ التزاماتها.
كما رأى أن سيناريو مشاركة قوات أميركية ميدانيًا إلى جانب الجيش اللبناني لا يزال مستبعدًا حتى الآن، مشيرًا إلى أن الطروحات التي جرى تداولها أخيرًا تضمنت اقتراحًا فرنسيًا، بالتعاون مع رئيسة الوزراء الإيطالية، لإنشاء قوة مشتركة، إلا أن هذا المقترح لم يحظ، حتى الآن، بتأييد لا من الاتحاد الأوروبي ولا من الأمم المتحدة، ليكون بديلًا من قوات اليونيفيل.
وأضاف أن الأفكار المطروحة تتركز بصورة أكبر على تعزيز قدرات الجيش اللبناني من خلال التدريب، وزيادة مستويات الدعم، ورفع الجهوزية، وتأهيل الوحدات العسكرية، بدلًا من الدفع نحو نشر قوات قتالية أميركية على الأرض، موضحًا أنه قد يكون من الممكن اعتماد مراقبين يتمركزون في مواقع محددة للإشراف على تنفيذ الاتفاق، إلا أنه لا يتوقع وجود قوة أميركية ميدانية تعمل إلى جانب الجيش اللبناني أو تنخرط في عمليات قتالية داخل الجنوب.
ولفت أبو دياب إلى أن التعاون العسكري بين الجيش اللبناني والولايات المتحدة ليس جديدًا، بل يعود إلى مرحلة ما بعد انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005، حيث تطورت علاقات التعاون بين الجانبين بصورة ملحوظة، ونشأت درجة من الثقة المتبادلة أسهمت في تعزيز برامج الدعم والتدريب. ورأى أن هذا التعاون سيساعد في تذليل الصعوبات التي قد تواجه تطبيق الاتفاق خلال المرحلة المقبلة.
وحول المخاوف من احتمال حصول مواجهة بين القوات الأميركية و"حزب الله" في حال قررت واشنطن إرسال قوات إلى لبنان، اعتبر أبو دياب أن هذا الاحتمال مستبعد في الظروف الحالية، رغم الانتشار العسكري الأميركي الواسع في منطقة الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سبق أن لمح إلى إمكان طلب تدخل القوات السورية في لبنان، مذكرًا بأن تدخلًا مماثلًا حصل عام 1976 نتيجة تفاهم أميركي - إسرائيلي أتاح دخول القوات السورية لمواجهة منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية.
وأكد أن الظروف الحالية تختلف بصورة كبيرة عن تلك المرحلة، سواء من حيث المعطيات الإقليمية أو موازين القوى، معتبرًا أن مجرد طرح مثل هذه السيناريوهات لا يعني وجود قرار أميركي بالانخراط العسكري المباشر في الساحة اللبنانية، بل يعكس أن جميع الخيارات لا تزال قيد الدراسة والبحث.
وأشار إلى أنه لا يرى رغبة لدى كل من الولايات المتحدة وإيران في الانزلاق إلى مواجهة مباشرة على الأراضي اللبنانية، موضحًا أن لبنان لا يزال يشكل ساحة اختبار للتوازنات الإقليمية والدولية، تمامًا كما هو الحال بالنسبة إلى مضيق هرمز. وأضاف أن اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل يتقاطع مع مسار التفاوض الإيراني - الأميركي، ما يجعل لبنان واقعًا بين الضغوط الإسرائيلية والنفوذ الإيراني، وكذلك بين مساري التفاهمات الإقليمية والدولية، الأمر الذي سيجعل المرحلة المقبلة محكومة بمسار هذه التوازنات وبكيفية تنفيذ الاتفاق على أرض الواقع.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى الدور الأميركي في لبنان محاطًا بكثير من التساؤلات، ولا سيما في ما يتعلق بطبيعة حضوره وحدود انخراطه العسكري. وبين الحديث عن دعم الجيش اللبناني ومراقبة تنفيذ اتفاق الإطار، تظل المرحلة المقبلة رهن التطورات الميدانية والتفاهمات السياسية، في وقت يترقب فيه لبنان والمنطقة كيفية ترجمة هذه الترتيبات على أرض الواقع، وانعكاساتها على الاستقرار الداخلي.