June 29, 2026   Beirut  °C
سياسة

العميد طوني أبي سمرا: على الدولة استخدام كل أدواتها لتنفيذ "إتفاق الإطار".. و منع تمويل حزب الله أساسي

بعد توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، باتت المسؤولية الكبرى عن تنفيذ بنود هذا الاتفاق ملقاة على عاتق الجيش اللبناني. وفي المقابل، يبرز سؤال أساسي حول مدى قدرة الجيش على تنفيذ ما التزمت به السلطة السياسية اللبنانية في هذا الاتفاق، في ظل التحديات الميدانية والإدارية القائمة. كما تطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام إسرائيل بتنفيذ تعهدها بالانسحاب من المناطق التي لا تزال تحتلها في جنوب لبنان.

وفي انتظار ما ستحمله الأيام والأسابيع المقبلة من تطورات على صعيد تنفيذ بنود هذا الاتفاق من الجانبين اللبناني والإسرائيلي، تتجه الأنظار إلى ما ييُتداول في بعض التقارير الإعلامية حول احتمال مشاركة قوات أميركية في دعم الجيش اللبناني لمساعدته على تنفيذ الاتفاق. وينظر إلى هذا الطرح، في حال ترجمته على أرض الواقع، على أنه قد يثير إشكاليات داخلية بارزة، لا سيما لدى حزب الله، نظرا لما قد يحمله من تداعيات سياسية وأمنية على المشهد اللبناني.


وفي قراءة لما سيحمله هذا الاتفاق من نتائج على الصعيد الداخلي، ومدى جهوزية الجيش لتطبيقه، أكد العميد المتقاعد طوني أبي سمرا أن الجيش اللبناني يمتلك القدرة على تنفيذ بنود الاتفاق، شرط أن يحظى بدعم كامل من مؤسسات الدولة، معتبرا أن مسؤولية التنفيذ لا تقع على المؤسسة العسكرية وحدها، بل تستوجب استخدام مختلف وسائل القوة السياسية والقانونية والمالية والدبلوماسية التي تمتلكها الدولة اللبنانية.


وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن موقف الولايات المتحدة، لا سيما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يشكل عاملا مهما في هذه المرحلة، معربا عن ثقته بالدعم الأميركي للبنان وبالرؤية التي يتبناها تجاه لبنان والمنطقة. ورأى أن إسرائيل لا تسعى إلى البقاء داخل الأراضي اللبنانية، ولا ترغب في الاستيطان أو السيطرة على المياه أو الاقتصاد اللبناني، مؤكدا أنه في حال توافرت الشروط اللازمة لتنفيذ الاتفاق، فإن إسرائيل ستنسحب من الأراضي التي لا تزال تحتلها ولن يكون لديها مبرر للبقاء فيها.


وفي ما يتعلق بقدرة الجيش اللبناني على تنفيذ الاتفاق، أوضح أبي سمرا أن المؤسسة العسكرية تمتلك الإمكانات الأساسية التي تؤهلها للقيام بالمهمة، على الرغم من أن قدراتها ليست مثالية، مشيرا إلى وجود حاجة دائمة لتطوير التجهيزات والقدرات التقنية والعسكرية، إلا أن ذلك لا يمنع الجيش من تنفيذ المهام المطلوبة منه بالإمكانات المتوافرة حاليا. وشدد على أن تنفيذ الاتفاق لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يتطلب إجراءات سياسية وقانونية متكاملة.


ودعا رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى استخدام كل أدوات الدولة المتاحة وعدم الاكتفاء بتكليف الجيش بتنفيذ القرار على الأرض، موضحا أن الاتفاق يتضمن بنودا تنفيذية واضحة، وليس مجرد إطار سياسي أو دبلوماسي عام. ولفت إلى أن بعض البنود تتعلق بمسائل مالية وإدارية ينبغي التعامل معها بجدية، مشيرا إلى أن من بين هذه البنود ضرورة منع وصول أي دعم مالي إلى حزب الله. واعتبر أن هذه المهمة لا تقع على عاتق الجيش وحده، وإنما تتطلب دورا مباشرا من وزارة المالية وسائر الأجهزة المعنية.


وقال أبي سمرا إن جزءا من تمويل حزب الله مصدره الدعم الإيراني، إلا أن قسما كبيرا منه، بحسب رأيه، ناتج عن الفساد داخل مؤسسات الدولة، لا سيما من خلال تحويل الأموال العامة والإيرادات الضريبية والمساعدات الخارجية إلى جهات مرتبطة بحزب الله وحركة أمل، معتبرا أن مكافحة الفساد في وزارة المال تشكل أحد مفاتيح تنفيذ الاتفاق. وأكد أن وقف مصادر التمويل غير الشرعية يمثل جزءا أساسيا من استعادة الدولة لسلطتها، مستشهدا بما وصفه بتحويل أموال كانت مخصصة من الدولة الفرنسية لتأهيل أوتوستراد جونية إلى مشاريع أخرى تصب في مصلحة "الثنائي". واعتبر أن مثل هذه الممارسات تؤكد الحاجة إلى رقابة مالية صارمة وإدارة شفافة للأموال العامة.


كما دعا الرئيس جوزاف عون إلى تفعيل الوسائل الدبلوماسية والأمنية لكشف أي عمليات دخول لإيرانيين بطريقة غير شرعية إلى لبنان باستخدام جوازات سفر مزورة، مشيرا إلى ضرورة متابعة هذا الملف بحزم، إلى جانب تعزيز دور القضاء في تطبيق القانون، وإعلان المناطق العسكرية عند الحاجة، وفرض حالة الطوارئ واستدعاء قوات الاحتياط إذا اقتضت الظروف ذلك، بما يتيح للدولة تنفيذ قراراتها بصورة كاملة.


وأكد أبي سمرا أن قائد الجيش يجب ألا يكون في مواجهة التحديات بمفرده، بل ينبغي أن يشعر بأن كل مؤسسات الدولة تقف خلفه وتوفر له الغطاء السياسي والقانوني اللازم. ورأى أن ترك الجيش وحيدا في الميدان من دون قرارات حاسمة من السلطات السياسية يضعه في موقع بالغ الصعوبة.


وفي السياق نفسه، لفت أبي سمرا إلى أن الرئيس عون بدأ ولايته بخطاب قوي حظي بتأييد واسع، داعيا إياه إلى إعادة تقييم أداء الفريق الاستشاري المحيط به. وسأل عن أسباب السياسات التي، بحسب رأيه، سمحت لحزب الله وحركة أمل بإعادة تنظيم صفوفهما خلال الأشهر الـ15 الماضية التي تلت توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في نهاية العام 2024.


وقال إن هذه الفترة شهدت، وفق تقديره، إعادة بناء لقدرات الحزب والحركة على الأرض، مشددا على أن الدولة لم تحصل خلال تلك المرحلة على أي معلومات أو مواقع من حزب الله يمكن أن تساعد الجيش في بسط سلطته، وهو ما اعتبره مؤشرا على غياب النية الحقيقية للتعاون مع الدولةز وأشار إلى أن القيادة السياسية كان ينبغي أن تدرك منذ البداية أن الحزب لن يقدم تنازلات فعلية، مؤكدا أن القرار الأساسي لا يصدر عن حزب الله أو حركة أمل، وإنما عن إيران، بحسب تعبيره.


وردا على سؤال حول المساعدات التي يحتاجها الجيش اللبناني، أكد أبي سمرا أن المؤسسة العسكرية تمتلك حاليا ما يكفي من العتاد لتنفيذ مهمتها، موضحا أنها ليست بحاجة إلى انتظار وصول أسلحة أو معدات إضافية حتى تبدأ بتنفيذ واجباتها، وإن كان تطوير القدرات العسكرية يبقى أمرا مطلوبا على المدى البعيد.


وأوضح أن العمليات الميدانية قد تحتاج إلى دعم تقني يتمثل في المعلومات الاستخباراتية والتصوير الجوي والوسائل الإلكترونية الحديثة، معتبرا أن هذا النوع من الدعم يمكن أن تقدمه الدول الصديقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.


وفي ما يتعلق بما أثير عن احتمال انتشار قوات أميركية في جنوب لبنان لمساندة الجيش في تنفيذ الاتفاق، استبعد أبي سمرا هذا السيناريو بشكل قاطع، مؤكدا أنه لا يتوقع وجود قوات أميركية على الأرض، وأن الدعم الأميركي سيبقى محصورا في الجوانب التقنية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية، إلى جانب توفير الغطاء الدولي للدولة اللبنانية في مساعيها لاستعادة قرار الحرب والسلم وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.


وشدد على أن نجاح تنفيذ الاتفاق يتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على المؤسسة العسكرية، بل تعتمد على تفعيل جميع مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية والحكومة ووزارة المالية والقضاء والأجهزة الدبلوماسية والإعلامية، مؤكدا أن استخدام جميع أدوات الدولة هو السبيل الوحيد لضمان نجاح الجيش في تنفيذ مهمته وترسيخ سلطة الدولة اللبنانية.


ويبقى أن العبرة في تنفيذ هذا الاتفاق تكمن في مدى جدية السلطة السياسية اللبنانية في الوفاء بالتزاماتها أمام المجتمع الدولي عموما والولايات المتحدة خصوصا، بما يضمن ترجمة التعهدات إلى خطوات عملية على الأرض. غير أن هذا المسار يبقى مشروطا بعدم تكرار سيناريو الأشهر الـ 15 الماضية، حين تبين لاحقا أن حزب الله لم ينسحب من جنوب الليطاني ولم يسلم أي سلاح في تلك المنطقة إلى الجيش اللبناني، ما يضع التنفيذ الفعلي للاتفاق أمام اختبار جدي لمدى الالتزام والقدرة على التطبيق.