June 29, 2026   Beirut  °C
سياسة

دايفيد رمضان: البنود الـ 14 تمثل ورقة امتحان للحكومة اللبنانية.. والشيطان يكمن في التطبيق

زلزال سياسي - دبلوماسي ضرب محور إيران ليل الجمعة، انطلقت ارتداداته من واشنطن وامتدت من بيروت إلى طهران. فبعدما راهن هذا المحور، في أعقاب إعلان التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، على أن القرار اللبناني سيبقى مرتبطا إلى حد بعيد بما تقرره طهران، جاءت المفاجأة المدوية بتوقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، في خطوة أربكت حسابات القوى الحليفة لإيران في لبنان، بعدما سحبت الملف اللبناني من دائرة الرهان التي بنت عليها مواقفها، وهو تطور لم يكن في حسبانها.

لكن، بعد توقيع هذا الاتفاق، ما هي أبعاده السياسية والأمنية، وما تداعياته على الساحة اللبنانية الداخلية؟ وهل ستعيد السلطة اللبنانية إنتاج تجربة المرحلة التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار بعد حرب إسناد غزة؟ وماذا لو تعثر تنفيذ هذا الاتفاق أو فشل؟ هل سيتكرس الاحتلال الإسرائيلي واقعا على الأرض، مع ما قد يفتحه ذلك من احتمالات عودة الحرب على لبنان بصورة أشد خطورة وضراوة؟

في هذا الإطار، اعتبر النائب الجمهوري السابق وأستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج ماسن الدكتور دايفيد رمضان أن اتفاق الإطار يشكل فرصة مهمة أمام لبنان للدخول في مرحلة سلام، إلا أن نجاحه يبقى رهنا بآلية التنفيذ، مؤكدا أن "الشيطان يكمن في التفاصيل وفي التطبيق".


ورأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن البنود الـ 14 الواردة في الاتفاق تمثل "ورقة امتحان" للحكومة اللبنانية، معتبرا أنها أخفقت في امتحانها بعد اتفاق العام 2024، بحسب تعبيره، في تنفيذ التزاماتها وقدمت وعودا لم تتحقق، الأمر الذي أظهر عجزها عن فرض قراراتها.


وقال رمضان إن الولايات المتحدة تمارس ضغوطا على إسرائيل في إطار هذا الاتفاق، مقابل مطالبة الحكومة اللبنانية بإثبات أنها حكومة قادرة على ممارسة سلطتها، لا مجرد سلطة شكلية، مشيرا إلى أن الرسالة الأميركية واضحة ومفادها: "جردوا حزب الله من سلاحه، وأبلغونا بما تحتاجونه لمساعدتكم على تنفيذ ذلك، وعندها تنسحب إسرائيل ويحل السلام". واعتبر أن هذه هي المعادلة المطروحة حاليا، لافتا إلى أنه في حال عدم تنفيذها فإن الأمور ستبقى تراوح مكانها.


وفي سياق حديثه، انتقد ما وصفه بـ "التحايل" و"المكابرة" اللذين انتهجتهما الدولة اللبنانية خلال مرحلة التفاوض مع إسرائيل، مستشهدا برفض الوفد العسكري اللبناني التقاط صورة تذكارية مع الوفد الإسرائيلي. واعتبر أن مثل هذه الخطوات شكلية ولا تعكس جوهر المفاوضات.


كما ذكر رمضان بالعقوبات الأميركية التي فرضت على عدد من الضباط في الجيش اللبناني على خلفية اتهامات تتعلق بنقل أموال إلى حزب الله، منتقدا قيادة الجيش لعدم اتخاذها أي إجراءات لمحاسبتهم أو مساءلتهم، بل إبقائهم في مواقعهم. وانتقد أيضا النهج الذي اعتمده قائد الجيش خلال المرحلة السابقة، معتبرا أن المقاربة التي اتبعت في إدارة هذا الملف لم تؤد إلى تحقيق النتائج المطلوبة، وساهمت في إطالة أمد الأزمة بدلا من معالجتها.


وفي معرض تعليقه على البند 13 من الاتفاق، والذي ينص على إسقاط الملاحقات القضائية، قال إن من يمثل الطرف الخاسر في الحرب يكون مضطرا إلى تقديم تنازلات للوصول إلى اتفاق، مضيفا إن لبنان، من وجهة نظره، تفاوض من موقع الطرف الذي تعرض لخسارة عسكرية، ولذلك كان من الطبيعي أن يقدم تنازلات إذا كان يريد استعادة أراضيه وإنهاء الاحتلال.


ورأى رمضان أن المطالبة بمحاسبة إسرائيل أو إلزامها بدفع تعويضات عن الأضرار في المحافل الدولية، أو ربط السلام بتحقيق العدالة الكاملة، لا ينسجم مع موازين القوى الحالية، لافتا إلى أن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء الوجود الإسرائيلي في لبنان واستعادة الأرض.


وحذر من تكرار تجربة الأشهر الـ 15 التي أعقبت اتفاق العام 2024. وقال: إذا اكتفت الدولة مجددا بإعلان تنفيذ التزاماتها، فيما يتبين لاحقا أن ذلك لم يتحقق فعليا، فإن النتيجة ستكون تكريس الاحتلال الإسرائيلي لفترة طويلة، وربما إلى أجل غير معلوم.


وردا على سؤال حول احتمال إصرار حزب الله على رفض تسليم سلاحه ومواصلة الضغوط لإسقاط الحكومة، توقع رمضان أنه يتمسك الحزب بموقفه، مؤكدا أنه لن يسلم سلاحه طوعا، وأن مسؤولية الدولة تكمن في بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية وتجريد الحزب من سلاحه بالقوة القانونية والأمنية إذا اقتضى الأمر. واعتبر أن انتظار موافقة الحزب على تسليم سلاحه طوعا لن يؤدي إلى أي نتيجة.


وانتقد استمرار الحوار مع حزب الله حول هذا الملف، مشددا على أن المفاوضات التي استمرت طوال الأشهر الماضية لم تحقق أي تقدم. ودعا رئيسي الجمهورية والحكومة إلى اتخاذ القرار وتنفيذه بدلا من انتظار موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري أو قيادة حزب الله، مؤكدا أن فشل اتفاق الإطار سيؤدي إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وربما إلى توسيعه. وحذر من أن إسرائيل قد تعود إلى الحرب بوتيرة أعنف، معتبرا أنه لا يوجد ما يردعها إذا انهار الاتفاق.


وأكد رمضان أن مستقبل المرحلة المقبلة يتوقف على القرارات التي سيتخذها كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، لافتا إلى أنهما مطالبان باتخاذ خطوات حاسمة لبسط سلطة الدولة، وعدم رهن قراراتهما بمواقف القوى السياسية الأخرى، لأن نجاح الاتفاق أو فشله سيتوقف، في نهاية المطاف، على قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ ما التزمت به.


وبعيدا من السجالات السياسية، يضع اتفاق الإطار الدولة اللبنانية أمام اختبار مصيري قد لا يتكرر: إما استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها، وإثبات أن مؤسساتها الشرعية، لا سيما المؤسسة العسكرية، تمتلك القدرة والإرادة لفرض سلطتها وحدها، وإما الدخول في مرحلة جديدة من المراوحة، بما تحمله من مخاطر استمرار الاحتلال وتجدد المواجهة العسكرية.