وفي هذا السياق، تناول الصحافي طوني بولس، خلال اطلالت في برنامج "حوار الليلة" عبر منصة "بالعربي" مع الإعلامي ربيع ياسين، مختلف التطورات المرتبطة بالاتفاق، وانعكاساته على الداخل اللبناني، إضافة إلى مستقبل العلاقة مع إسرائيل، ودور الجيش اللبناني، والزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى الولايات المتحدة، فضلا عن ملفات إيران وسوريا والدولة العميقة والإصلاحات الاقتصادية.
وأكد بولس أن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه كان المسار الطبيعي الذي كان يفترض أن تصل إليه المفاوضات، معتبرا أن البديل عنه كان العودة إلى الحرب وتكرار المشهد الذي عاشه لبنان خلال العامين الماضيين. وقال إن لبنان كان أمام خيارين لا ثالث لهما، إما التوصل إلى اتفاق ينهي حالة الحرب ويحفظ مصلحة الدولة وسيادتها، وإما البقاء في دوامة الصراع المفتوح وما يحمله من دمار واستنزاف.
وأشار إلى أن المفاوضات شهدت في بدايتها تباينا بين المسارين السياسي والعسكري، لافتا إلى أنه كان من المفترض أن يكون هناك وفد لبناني موحد، حتى لو ضم خبراء عسكريين لمعالجة الجوانب التقنية، إلا أن ما ظهر خلال جولات التفاوض أوحى بوجود فجوة بين القرارين السياسي والعسكري، وهو ما اعتبره مؤشراً إلى استمرار حالة الانفصام داخل مؤسسات الدولة.
واستوقف بولس رفض الجيش اللبناني الظهور في الصورة التذكارية للمفاوضات التي شاركت فيها الوفود العسكرية الأميركية والإسرائيلية، معتبر أن هذا الأمر يطرح علامات استفهام حول مدى انسجام المؤسسة العسكرية مع القرار السياسي للدولة، خاصة أن الدستور اللبناني ينص على أن الجيش ينفذ قرارات السلطة السياسية ولا يصنعها.
وشدد على أن الجيش اللبناني يجب أن يبقى مؤسسة وطنية خاضعة بالكامل لقرار الدولة، داعيا إلى إعادة صياغة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية بما ينسجم مع مفهوم الدولة الحديثة. كما انتقد الحديث المتكرر عن "عقيدة الجيش"، معتبرا أن الجيوش في الأنظمة الديمقراطية لا تمتلك عقيدة سياسية خاصة بها، بل تنفذ قرارات الحكومات المنتخبة، بينما ترتبط العقائد العسكرية بالأنظمة التوتاليتارية والشمولية.
وفي معرض حديثه عن أسباب هذا الانفصام، حمّل بولس المسؤولية لما وصفها بـ"الدولة العميقة"، معتبرا أنها لا تزال تسيطر على جزء كبير من مفاصل الدولة وترفض أي تحول حقيقي نحو بناء دولة المؤسسات، لأن مصالحها قائمة على المحاصصة والفساد والسيطرة على الإدارات العامة.
وأضاف أن هذه المنظومة، التي تشكلت على مدى عقود، تتقاطع مصالحها مع حزب الله، ولذلك فإن الطرفين لا مصلحة لهما بقيام دولة قوية قادرة على فرض سيادتها واحتكار قرارها الأمني والعسكري. ورأى أن الخطر على لبنان لا يقتصر على سلاح حزب الله، بل يشمل أيضا استمرار نفوذ الدولة العميقة التي تعيق أي مشروع إصلاحي حقيقي.
وانتقل بولس إلى الحديث عن زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى الولايات المتحدة، معتبرا أنها تمثل محطة مفصلية في مسار الاتفاق الذي تم التوصل إليه، لأنها ستكرس الانتقال من مرحلة التفاوض إلى مرحلة تثبيت الاتفاق ووضع آليات تنفيذه.
وأوضح أن ما كان يُعرف خلال المفاوضات بـ"إعلان النيات" لم يكن، برأيه، سوى الإطار السياسي الأول لاتفاق السلام، وأن استخدام المصطلحات الدبلوماسية جاء لتخفيف وقع الخطوة على الرأي العام، فيما كانت المفاوضات تتجه عمليا نحو اتفاق واضح يتضمن انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، والانسحاب الإسرائيلي، واستكمال ترسيم الحدود، وصولا إلى تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية.
واعتبر أن البيان الخليجي - الأميركي المشترك الذي صدر قبل الاتفاق شكل غطاءً سياسيا وإقليميا لهذا المسار، بعدما أكد دعمه للبنان في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وتفكيك الميليشيات، والتوصل إلى اتفاق سلام عادل وشامل، وهو ما اعتبره مؤشرا واضحا إلى وجود قرار دولي بدعم هذا التحول.
كما توقع أن تشهد زيارة الرئيس عون إلى واشنطن خطوات إضافية لترسيخ الاتفاق، مرجحا أن تتوج بلقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإعلان رسمي للمرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، في ظل استعجال الإدارة الأميركية إنجاز هذا الملف قبل الاستحقاقات الانتخابية في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
ورأى بولس أن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة، لأن لبنان يعيش صراعا بين مشروعين متناقضين؛ الأول يقوده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، ويهدف إلى إعادة بناء الدولة واستعادة قرارها السيادي، فيما يتمسك المشروع الثاني، الذي يمثله حزب الله وما وصفه بـ"الدولة العميقة"، بالإبقاء على الواقع القائم حفاظًا على مصالحه السياسية والأمنية.
واعتبر أن التحول الذي يشهده لبنان اليوم يشكل تهديدا مباشرا للمنظومة التي حكمت البلاد خلال العقود الماضية، ولذلك فإنها ستبذل كل ما في وسعها لعرقلة هذا المسار، لأن نجاحه يعني، بحسب رأيه، نهاية مرحلة كاملة قامت على السلاح غير الشرعي، والمحاصصة، والارتباط بالمحاور الخارجية.
وأكد أن الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام يخوضان معركة مصيرية نيابة عن اللبنانيين، مشيرا إلى أنهما يحظيان بدعم شعبي واسع يسمح لهما بالمضي في هذا المشروع، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن فشل هذه التجربة سيعيد لبنان إلى مرحلة الحكومات التي كانت تخضع لنفوذ حزب الله، وقد يعيد البلاد إلى الفراغ الدستوري والانهيار السياسي.
وتوقف بولس عند الحديث عن المخاطر الأمنية التي قد تواجه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، معتبرا أن التاريخ اللبناني يثبت أن كل محطة مفصلية شهدتها البلاد رافقتها تهديدات واغتيالات، مستذكرا اغتيال الرئيس رينيه معوض بعد اتفاق الطائف، وشدد على أن حماية رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة اليوم تعني حماية الدولة نفسها ومنع إسقاط مشروعها السياسي.
وانتقل بولس إلى الحديث عن العلاقة بين الملف الإيراني والمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، معتبرا أن إيران لم تدخل على خط المواجهة الأخيرة إلا عندما شعرت بأن الجيش الإسرائيلي بات يقترب من مناطق تعتبرها استراتيجية بالنسبة إلى حزب الله، ولا سيما المناطق التي تضم، بحسب معلوماته، بنية عسكرية وأنفاقا ومراكز قيادة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
وأشار إلى أن السبب الأساسي لتمسك إيران بحماية الضاحية الجنوبية لبيروت لا يتعلق فقط بالبعد الرمزي، بل لأنها تشكل الخزان البشري والعسكري لحزب الله، معتبرا أن سقوط الضاحية كان سيؤدي إلى انهيار قدرة الحزب على فرض أي معادلة داخلية مستقبلا.
وكشف بولس أن المعلومات المتوافرة لديه تشير إلى أن طهران قدمت تعهدا للولايات المتحدة بالمساعدة في سحب سلاح حزب الله، مقابل السماح لها بالمشاركة في إعادة إعمار المناطق المتضررة، وعدم وضع عراقيل أمام الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين لبنان وإسرائيل.
وأضاف أن الولايات المتحدة وافقت على منح إيران فرصة لتنفيذ هذه الالتزامات، لكنها وضعت مهلة زمنية وشروطا صارمة، ولن تقدم أي تنازل قبل أن ترى خطوات عملية على الأرض، سواء في ما يتعلق بسحب السلاح أو تنفيذ بقية البنود التي تم التفاهم عليها.
ورغم ذلك، أكد بولس أنه لا يثق بالنظام الإيراني، معتبرا أن طهران اعتادت استخدام المراوغة السياسية، إلا أنه رأى في المقابل أن إيران أصبحت في موقع ضعيف بعد الحرب، ولم يعد أمامها هامش واسع للمناورة كما كان في السابق.
وأشار إلى أن الداخل الإيراني يشهد حالة ارتباك غير مسبوقة نتيجة تعدد مراكز القرار، مع بروز أدوار للحرس الثوري، والرئيس الإيراني، ورئيس مجلس الشورى، ومجلس خبراء القيادة، في ظل الغموض الذي يحيط بوضع مجتبى خامنئي، معتبرا أن هذه التطورات تجعل إيران أكثر حاجة إلى تثبيت الاتفاق مع الولايات المتحدة من أجل معالجة أزماتها الداخلية.
وفي الشأن اللبناني الداخلي، استبعد بولس قدرة حزب الله على إسقاط حكومة الرئيس نواف سلام من داخل مجلس الوزراء، موضحا أن تركيبة الحكومة الحالية لا تسمح للحزب بامتلاك الثلث المعطل أو إسقاط الحكومة دستوريا، وبالتالي فإن الخيار الوحيد المتبقي أمامه هو محاولة فرض وقائع جديدة في الشارع.
لكنه أكد أن الظروف الحالية تختلف جذريا عن مرحلة السابع من أيار، معتبرا أن الدولة اللبنانية اتخذت قرارا واضحا بعدم السماح بأي محاولة انقلابية جديدة، وأن الجيش اللبناني لن يقف متفرجا إذا جرت محاولة لفرض أمر واقع بالقوة.
وفي معرض حديثه عن العريضة النيابية التي تطالب إيران بتحمل مسؤولية الأضرار التي لحقت بلبنان، اعتبر بولس أن هذه المطالبة تستند إلى اعترافات رسمية صدرت عن مسؤولين إيرانيين أكدوا خلالها أن الحرب التي شهدها لبنان كانت جزءا من المشروع الإيراني في المنطقة، وبالتالي فإن طهران تتحمل مسؤولية التعويض عن الخسائر التي لحقت بالدولة اللبنانية والمواطنين.
وأضاف أن لبنان يملك، من وجهة نظره، الحق في المطالبة بحصة من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج لتعويض المتضررين، خصوصا أن الحرب لم تكن قرارا اتخذته الدولة اللبنانية أو الشعب اللبناني، بل جاءت نتيجة مشروع إقليمي أعلن مسؤولون إيرانيون مراراً أنهم كانوا يديرونه.
وتوقف بولس عند الجدل الذي أثارته اللافتات التي حملت عبارة "شكراً إيران" وانتشرت على طريق المطار، معتبرا أن هذا المشهد يعكس، بحسب رأيه، حجم الارتهان السياسي الذي لا يزال يطبع جزءا من الواقع اللبناني، ولا سيما داخل البيئة الحاضنة لحزب الله.
وقال إن هذه اللافتات جاءت في توقيت يسعى فيه لبنان إلى استعادة صورته كدولة ذات سيادة، وإعادة الاعتبار لمؤسساتها الرسمية، معتبرا أن رفع شعارات الشكر لدولة أجنبية متهمة بالتدخل في الشؤون اللبنانية يتناقض مع مشروع بناء الدولة.
ورحب بقرار وزير الداخلية إزالة هذه اللافتات، لكنه اعتبر أن الدولة كان يفترض أن تتحرك بشكل استباقي لمنع رفعها أساسا، مؤكدا أن احترام سيادة الدولة يبدأ من الفضاء العام، وأن الطرقات اللبنانية يجب ألا تتحول إلى ساحات لتوجيه رسائل سياسية لدول خارجية.
وذهب بولس إلى أبعد من ذلك، داعيا إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة اللبنانية - الإيرانية، واعتبر أن إيران ليست دولة صديقة للبنان، بل دولة تدخلت، وفق رأيه، في شؤونه الداخلية وعملت على إنشاء ميليشيا موازية للدولة، الأمر الذي يستوجب، بحسب تعبيره، فتح مسار تفاوض سياسي معها عبر دولة ثالثة لإعادة تنظيم العلاقة بين البلدين على أسس جديدة تحفظ سيادة لبنان.
وانتقل بعد ذلك إلى الملف السوري، مشيدا بالمواقف التي أعلنها الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن احترام سيادة لبنان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، واعتبر أن هذه المواقف تختلف جذريا عن النهج الذي كان سائدا في العقود الماضية.
وأشار إلى أن العلاقة بين بيروت ودمشق بدأت تستعيد طابعها الطبيعي القائم على التواصل بين الدولتين، وليس عبر القنوات السياسية والأمنية التي كانت تتحكم بالعلاقة سابقا، معتبرا أن هذا التطور يشكل مؤشرا إيجابيا على بناء علاقات متوازنة بين البلدين.
وفي المقابل، أكد أن حزب الله لا يزال، بحسب معلوماته، يحاول التدخل في الداخل السوري، سواء من خلال شبكات تهريب السلاح عبر الحدود، أو عبر دعم مجموعات مرتبطة بالنظام السوري السابق، لافتا إلى معلومات عن خلايا أمنية تم ضبطها في سوريا قيل إنها كانت تعمل على تنفيذ عمليات أمنية، بينها مخططات لاستهداف الرئيس السوري أحمد الشرع.
وأضاف أن السلطات السورية كثفت انتشارها العسكري على الحدود مع لبنان، ليس بهدف الدخول إلى الأراضي اللبنانية، وإنما لمنع عمليات التهريب وضبط المعابر غير الشرعية، مشيرا إلى أن أي محاولة من حزب الله لإعادة فتح الجبهة السورية ستدفع دمشق، بحسب رأيه، إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزما لحماية أمنها القومي.
وفي هذا السياق، اعتبر بولس أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينظر إلى الرئيس أحمد الشرع كشريك قادر على المساهمة في تحقيق الاستقرار الإقليمي، بعدما تمكن من إعادة سوريا تدريجي إلى الساحة الدولية، في حين لا يزال لبنان يعاني من الانقسامات الداخلية.
وحذر من أن أي تقاعس لبناني في فرض سلطة الدولة قد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية جديدة، سواء من الجانب السوري أو التركي أو الإسرائيلي، مشيرا إلى تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي تحدث فيها عن الأمن القومي التركي وحدود النفوذ في المنطقة، واعتبر أن حماية لبنان من أي مشاريع خارجية تبدأ بإقامة دولة قوية قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها.
ورأى أن العلاقات الطبيعية بين لبنان وسوريا ستسمح مستقبلا بتبادل الزيارات الرسمية بين رئيسي البلدين، بعدما أصبحت العلاقة تُدار من خلال المؤسسات الرسمية، وليس عبر القنوات غير الرسمية التي حكمت المرحلة السابقة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، انتقد بولس توجه الحكومة إلى فرض ضرائب ورسوم جديدة، معتبرا أن الدولة تلجأ إلى جيب المواطن كلما واجهت أزمة مالية، بدلا من إطلاق مشاريع استثمارية وتنموية تعزز الاقتصاد الوطني وتزيد الإيرادات بطريقة مستدامة.
وأشار إلى أن الزيادة السابقة على الضريبة المفروضة على البنزين لم تحقق الأهداف التي أعلنتها الحكومة، موضحاً أن المواطنين تحملوا أعباء إضافية من دون أن يلمسوا تحسنا في الرواتب أو الخدمات العامة، الأمر الذي يثير، بحسب رأيه، علامات استفهام حول آلية إدارة المال العام.
كما حذر من أن جزءا من الإيرادات قد يستخدم في تمويل ملفات لا تحظى بإجماع اللبنانيين، داعيا إلى اعتماد سياسات اقتصادية تقوم على الاستثمار، وتحفيز النمو، واستقطاب رؤوس الأموال، بدلا من الاستمرار في فرض الضرائب على المواطنين.
ورأى أن اتفاق لبنان مع إسرائيل، إذا ترافق مع استقرار سياسي وأمني، قد يفتح الباب أمام مرحلة اقتصادية جديدة، من خلال جذب الاستثمارات الخارجية، وتوسيع النشاط الاقتصادي، وخلق فرص عمل، بما يخفف تدريجياً من الأعباء المالية التي تعانيها الدولة.
وتطرق بولس إلى مشروع "الإقامة الذهبية"، معتبرا أن الفكرة قد تبدو إيجابية من حيث المبدأ إذا هدفت إلى جذب المستثمرين ورؤوس الأموال، إلا أن نجاحها يرتبط بالآلية التي ستعتمدها الدولة في تطبيقها. وأشار إلى أن منح الإقامات يجب أن يكون مرتبطا باستثمارات حقيقية داخل لبنان، كما يحصل في عدد من الدول الأوروبية، لا أن يتحول إلى باب يمنح إقامات لأشخاص من دون تحقيق قيمة اقتصادية فعلية للدولة.
وأضاف أن لبنان يحتاج اليوم إلى استعادة ثقة المستثمرين قبل أي شيء آخر، لأن أي مستثمر أجنبي ينظر أولا إلى الاستقرار السياسي والقضائي والأمني، معتبرا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ ببناء مؤسسات قوية وقضاء مستقل وإدارة شفافة، وليس بمجرد إصدار قوانين جديدة.
وفي سياق آخر، تناول بولس ملف شركة "بيت أرابيا"، بعد صدور القرار القضائي الذي برأها من الاتهامات الأساسية التي كانت قد وجهت إليها، معتبرا أن القضية شكلت نموذجا لما وصفه بسوء استخدام القضاء في بعض الملفات الاقتصادية.
وقال إن الشركة تمكنت من بناء نموذج عمل احترافي وفق المعايير اللبنانية والدولية، واستطاعت الوصول إلى الأسواق الخارجية، إلا أن الملاحقات القضائية التي تعرضت لها ألحقت بها أضرارا معنوية ومادية كبيرة، قبل أن تثبت التحقيقات عدم صحة الاتهامات التي وجهت إليها.
واعتبر أن تبرئة الشركة لا تكفي وحدها، بل يفترض أيضاً محاسبة كل من تسبب بالإضرار بسمعتها، خصوصا أن القضايا التي تثار بحق مؤسسات اقتصادية ناجحة تنعكس سلبا على صورة لبنان الاستثمارية، وتدفع المستثمرين إلى التردد في دخول السوق اللبنانية.
وأضاف أن محاربة الفساد لا تكون عبر استهداف المؤسسات الناجحة، بل عبر ملاحقة الاقتصاد غير الشرعي، وضبط التهريب، وتبييض الأموال، وكل الممارسات التي تستنزف الدولة وتحرمها من مواردها.
وربط بولس هذا الملف مجدداً بما وصفه بالدولة العميقة، معتبرا أن هذه المنظومة لا ترغب بقيام مؤسسات ناجحة تعمل وفق القانون، لأنها تستفيد من الفوضى والاقتصاد الموازي، مؤكدا أن بناء دولة حديثة يتطلب القضاء على هذه المنظومة وإخضاع الجميع لسلطة القانون.
وفي ختام الحوار، شدد بولس على أن مسؤولية إنهاء نفوذ الدولة العميقة لا تقع على عاتق السلطة السياسية وحدها، بل يتحمل المواطن اللبناني جزءاً أساسياً منها، ولا سيما من خلال حسن اختياره في الانتخابات المقبلة.
واعتبر أن كثيرا من القوى السياسية بنت نفوذها على تقديم الخدمات للمواطنين، رغم أن هذه الخدمات هي في الأصل حقوق يكفلها القانون والدولة، داعيا اللبنانيين إلى عدم الاستمرار في ربط مستقبلهم بالزعامات التقليدية، بل منح الفرصة لمشروع الدولة والمؤسسات.
وأكد أن نجاح المرحلة الجديدة يتطلب استمرار الدعم الداخلي والخارجي لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، لأن نجاحهما، بحسب تعبيره، يعني نجاح مشروع الدولة اللبنانية، فيما سيؤدي فشل هذا المسار إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها التي عاشها لبنان خلال السنوات الماضية.
لمشاهدة الحلقة كاملة، الرجاء الضغط على الرابط أدناه: