June 26, 2026   Beirut  °C
سياسة

سركيس أبو زيد: لا مفر أمام حزب الله من مراجعة تجربة سوريا

بعد المواقف الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع، التي أكد فيها بوضوح عدم نية بلاده التدخل عسكريًا في لبنان، برزت، في المقابل، مواقف ودية صادرة عن بعض مسؤولي حزب الله تجاه السلطة السورية الجديدة عمومًا، وتجاه الرئيس الشرع على وجه الخصوص.

وتأتي هذه المواقف في ظل تقارير عن ضغوط أميركية على دمشق للاضطلاع بدور في ملف حزب الله، بعدما تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إمكان مساهمة سوريا في هذا المسار، فيما شدد الشرع على أن مقاربة الملف اللبناني لا تكون عبر تدخل عسكري سوري.


وبين وصف النائب السابق نواف الموسوي أحمد الشرع بـ"الأخ" في حديث سابق، والمواقف الأخيرة للنائب علي فياض التي اتسمت بنبرة هادئة ومنفتحة تجاه سوريا الجديدة، يبرز تساؤل حول التحول في خطاب حزب الله ومقاربته للسلطة السورية الجديدة، بعد سنوات من العداء والصدام السياسي والعسكري بين الطرفين.


فما خلفيات هذا التحول؟ وهل يرتبط بالمواقف الأخيرة للإدارة السورية، أم بمراجعة نقدية يجريها الحزب لتجربة تدخله العسكري في سوريا على مدى ما يقارب عقدًا من الزمن، أم أنه نتاج العاملين معًا؟


وفي قراءة لتلك التحولات في مواقف الحزب، قال الصحافي والكاتب السياسي سركيس أبو زيد إن المواقف الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع، التي أكدت عدم التدخل أو الدخول إلى لبنان، تحمل دلالات إيجابية، ولا سيما في ظل الضغوط والمواقف الأميركية التي دعت إلى دور سوري في مواجهة حزب الله داخل لبنان.


وأضاف، عبر منصة "بالعربي"، أن تأكيد الرئيس الشرع عدم المشاركة في أي تحرك من هذا النوع لا يعني بالضرورة أن الساحة اللبنانية ستكون بمنأى عن المفاجآت، مشيرًا إلى معلومات تتحدث عن انتقال أعداد من المقاتلين الإسلاميين من سوريا إلى مناطق في شمال لبنان ومناطق أخرى، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تدخلات أو مبادرات جديدة لا تزال نتائجها مجهولة، مرجحًا أن تكون هذه التحركات قد جرت من دون علم الإدارة السورية.


وتابع أن هذه المعطيات تثير القلق، خصوصًا أن المنطقة لا تزال تعيش على وقع محاولات متعددة لإعادة رسم توازناتها، في ظل مساعٍ سلمية يقابلها، في أحيان كثيرة، اتجاه نحو مزيد من التقسيم والشرذمة، داعيًا إلى تحقيق أكبر قدر من التنسيق والتعاون بين الدول العربية والإسلامية لمواجهة مشاريع الفتنة والفوضى التي يحاول البعض زرعها في المنطقة.


وفي ما يتعلق بما وُصف بالتودد الصادر عن بعض مسؤولي حزب الله تجاه الإدارة السورية الجديدة، أوضح أبو زيد أنه لا يملك معلومات دقيقة وعميقة حول هذا الملف، إلا أنه اعتبر أن حزب الله سعى دائمًا إلى فتح حوار وقنوات تواصل مع أطراف يختلف أو يتناقض معها، بهدف حماية أمنه ودوره ومستقبله عبر الحوار والتعاون، حتى مع الجهات التي تتباين معه سياسيًا أو ميدانيًا.


واعتبر أن من الطبيعي أن يسعى حزب الله إلى الحوار والتعاون مع الدولة السورية الجديدة، حتى وإن كانت لا تزال في مرحلة التكوين، لأن التنسيق والتعاون يبقيان أفضل من العداوة والصراعات والخلافات العسكرية التي لا يمكن لأحد تقدير نتائجها.


وأضاف أن بعض الرسائل الإيجابية التي تصدر في هذا السياق قد تندرج ضمن محاولة فتح صفحة جديدة، إلا أنه أكد عدم معرفته بحجم التجاوب السوري أو مدى تقدم هذه الاتصالات، مشيرًا إلى أن حزب الله يملك قنوات حوار وتواصل مع تنظيمات ودول وجهات متعددة، بعضها ظاهر وبعضها الآخر يجري بعيدًا عن الأضواء، بهدف حماية أمنه ودوره ومواقفه.


وعن إمكان أن يكون حزب الله بصدد إعادة تقييم تجربته في سوريا خلال أكثر من عقد، قال أبو زيد إن الحزب أعلن بصورة واضحة أنه يعيد النظر في تجربته السابقة، ويدرس الأخطاء والإيجابيات والسلبيات، من أجل رسم معالم خطة مستقبلية لدوره في لبنان وسوريا والمنطقة العربية والعالم الإسلامي.


وأوضح أن نتائج هذه المراجعة النقدية لم تظهر حتى الآن، أو أنها لم تُعلن بصورة واضحة، داعيًا إلى انتظار ما سيصدر عن الحزب بعد استكمالها، وما هي المسائل التي سيقرر نقدها أو إعادة النظر فيها.


وشدد على أن حزب الله مطالب بإجراء نقد ذاتي جدي بشأن ما جرى في سوريا خلال السنوات الماضية، لكنه أكد، في المقابل، أن المسؤولية لا تقع على الحزب وحده، بل تشمل جميع الأنظمة والمنظمات والأحزاب والأطراف التي شاركت في أحداث المنطقة خلال السنوات الأخيرة.


وقال إن المطلوب من الجميع امتلاك الجرأة لإجراء نقد ذاتي يكشف مكامن القوة والضعف، بما يساعد على الخروج من دوامة التشتت والفوضى التي يدفع الجميع ثمنها.


وعليه، يبدو أن تبدل خطاب حزب الله تجاه الرئيس أحمد الشرع والسلطة السورية الجديدة لا ينفصل عن حسابات المصلحة السياسية والأمنية للحزب، في مرحلة تراجعت فيها أوراقه الإقليمية بعد سقوط نظام بشار الأسد، ثم بفعل تداعيات حربي الإسناد وما أفرزتاه من ضغوط وخسائر. ومن هنا، قد يشكل فتح قنوات تواصل مع دمشق الجديدة محاولة لتخفيف العزلة، وإدارة مرحلة شديدة التعقيد، والحد من المخاطر التي يمكن أن تنتج عن استمرار القطيعة أو العداء.