تنعقد في واشنطن جولة جديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل وسط ترقب لما قد تفضي إليه من نتائج، في وقت تسعى فيه إيران إلى تثبيت حضورها في الساحة اللبنانية عبر إبراز دور دبلوماسيتها في وقف إطلاق النار والضغط من أجل انسحاب إسرائيلي من الجنوب.
في المقابل، يتمسك لبنان بحصرية القرارات المصيرية، لا سيما التفاوض مع إسرائيل، بيد الدولة وحدها، وفصل الملف اللبناني عن الحسابات الإيرانية، وهو ما شدد عليه رئيس الجمهورية جوزاف عون مرارا.
ومع تداول احتمال انسحاب إسرائيلي جزئي وتسليم مواقع للجيش اللبناني، تبرز دلالات الخطوة بوصفها دفعا أميركيا وإسرائيليا للدولة اللبنانية لتثبيت حضورها وسيادتها على الأرض، في مقابل تقليص نفوذ حزب الله ودوره العسكري في الجنوب.
وفي هذا الإطار، اعتبر الصحافي والكاتب السياسي في صحيفة نداء الوطن ألان سركيس أن المفاوضات الجارية في واشنطن بين لبنان وإسرائيل تشكل محطة تاريخية، مشيرا إلى أنها تختلف عن المفاوضات التي حصلت في العام 1983، سواء من حيث الظروف السياسية أو طبيعة الملفات المطروحة.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن المفاوضات تتوزع على 3 جلسات، تشمل جلسة ذات طابع دبلوماسي وسياسي وعسكري، تليها جلسة عسكرية تقنية، ثم جلسة مفاوضات سياسية برئاسة السفير سيمون كرم. وقال إن الوفد اللبناني سيطرح عددا من النقاط، تبدأ بتثبيت وقف إطلاق النار، ثم الانتقال إلى البحث في المسائل التقنية، والانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب.
ورأى سركيس أن الولايات المتحدة اتخذت قرارا بدعم الدولة اللبنانية وتعزيزها في مواجهة النفوذ الإيراني، معتبرا أن طهران تحاول استخدام الورقة اللبنانية ضمن صراعها الإقليمي. وقال إن محاولات إيران فرض نفسها طرفا أساسيا في المعادلة اللبنانية لن تغير من واقع القرارين الأميركي واللبناني، اللذين يدعمان حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، مشيرا إلى أن رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام والحكومة مجتمعة يؤكدون أن لبنان وحده هو من يقرر مصيره. ولفت إلى أن هذا الموقف يتكرر باستمرار في الخطاب الرسمي اللبناني.
وفي ما يتعلق بالوضع في الجنوب، قال إن إسرائيل قد تنسحب من بعض المواقع التي لا تتمتع بأهمية استراتيجية، في إطار إبداء حسن النية وإتاحة المجال أمام الجيش اللبناني والقوات الدولية للانتشار، مشددا على أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب من دون نزع سلاح حزب الله يعد أمرا بالغ الصعوبة.
ورأى سركيس أن إسرائيل لن تنسحب من مواقع استراتيجية، بينها قلعة الشقيف وتلة علي الطاهر، معتبرا أن تمسكها بهذه المواقع يرتبط باعتبارات أمنية وعسكرية. وأشار إلى أن إسرائيل لا تسعى، بحسب قراءته، إلى احتلال لبنان أو الاستقرار فيه، لكنها تسعى إلى تأمين أمنها ومنع استخدام الجنوب منصة لتهديدها.
ولفت إلى أن إسرائيل لا تعتبر الدولة اللبنانية مصدر تهديد، بل تعتبر أن الميليشيات الإيرانية، وفي مقدمها حزب الله، تستخدم الأراضي اللبنانية في الصراع مع إسرائيل. وقال إن استمرار هذا الواقع أدى إلى توسع العمليات والوجود الإسرائيلي في مناطق جنوبية، وصولا إلى محيط النبطية، على الرغم من محاولات بعض مسؤولي وكوادر الحزب نفي ذلك.
وأكد سركيس أن المفاوضات ستكون صعبة وشاقة، إلا أن حل الأزمة، وفق قوله، يبدأ بقرار حزب الله تسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية. وقال إن حصر السلاح بيد الدولة من شأنه أن يسهل الانسحاب الإسرائيلي ويعيد للدولة قدرتها على إدارة الجنوب وفرض سيادتها.
وفي معرض تعليقه على احتمال انسحاب إسرائيل جزئيا من بعض المناطق وتسليمها إلى الجيش اللبناني، اعتبر أن هذه الخطوة تعكس إيمانا أميركيا وإسرائيليا بقدرة الجيش اللبناني والدولة اللبنانية على الإمساك بالأرض، إلى أن الولايات المتحدة تعد من أبرز الداعمين للجيش اللبناني، لا سيما خلال السنوات الـ 15 الماضية، من خلال تقديم المساعدات والتجهيزات العسكرية.
وقال سركيس إن أي انسحاب إسرائيلي يترافق مع انتشار الجيش اللبناني يمثل مكسبا للدولة اللبنانية، لأنه يثبت أن تحرير الأرض يتم عبر الدولة ومؤسساتها، وليس عبر الصواريخ أو الميليشيات، مؤكدا أن السياسة والدبلوماسية، إلى جانب الدعم العربي والدولي، هي التي تحمي لبنان وتعزز استقراره.
وعن التصريحات الإسرائيلية التي تؤكد استمرار العمليات في لبنان، ومنها ما صدر عن الوزير وعضو المجلس الوزاري المصغر زئيف إلكين، رأى أن إسرائيل اتخذت قرارا بمواصلة الضغط العسكري بهدف نزع سلاح حزب الله، معتبرا أن الحديث عن خلاف إسرائيلي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدخل في إطار الخدعة السياسية الموجهة إلى إيران ومحور الممانعة.
وحذر سركيس من أن استمرار حزب الله في رفض تسليم سلاحه للدولة اللبنانية قد يدفع الأمور نحو سيناريو خطير، معتبرا أن إسرائيل قد تتقدم ميدانيا أكثر بشكل تدريجي وصولا إلى داخل العمق اللبناني.
وتبقى أولوية المرحلة في تثبيت حصرية القرار الأمني والسياسي بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، بما يتيح لها إدارة التفاوض وحماية الحدود وفرض سيادتها. أما استمرار حزب الله في التمسك بسلاحه وقراره المنفصل عن الدولة، فقد يدفع بالأوضاع نحو مزيد من التصعيد والانزلاق إلى المجهول، مع ما يحمله ذلك من أخطار على لبنان واستقراره.