بعد تسارع التطورات السياسية والتقلبات التي تشهدها الساحات الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الساحة اللبنانية، سارعت مجموعة من 400 شخصية سياسية وفكرية وثقافية في لبنان والاغتراب إلى توقيع بيان بعنوان "نداء لإنقاذ لبنان"، حمل مجموعة من المواقف المرتبطة باستعادة السيادة، وحصرية السلاح بيد الدولة، ودعم مسار المؤسسات الشرعية، إلى جانب الدعوة إلى معالجة الأزمات السياسية والاقتصادية التي يواجهها لبنان.
واللافت في هذا البيان أنه جاء عابرًا للطوائف والانقسامات التقليدية، إذ جمع شخصيات من خلفيات مختلفة، بما في ذلك عدد من الشخصيات الشيعية المعارضة، في محاولة لتقديم مقاربة وطنية مشتركة حول مستقبل الدولة ودورها في المرحلة المقبلة. فهل يشكّل هذا البيان بداية حالة وطنية جديدة قادرة على التأثير في المشهد اللبناني؟
وتعليقًا على توقيت البيان وما حمله من مضامين، أكد النائب مارك ضو أن الإعلان جاء في ظل وجود رئيس للجمهورية ورئيس للحكومة ينتهجان، منذ بداية العهد وحتى اليوم، سياسة وطنية يعتبرها الموقعون مسارًا إيجابيًا، مشيرًا إلى أن هذا البيان يهدف إلى التأكيد على وجود حالة وطنية جامعة من خارج الأحزاب التقليدية تدعم النهج الذي تعتمده الدولة والحكومة الحالية.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن تحقيق هدف حصر السلاح بيد الدولة، الذي شدّد عليه البيان، يقتضي السير في مسار سياسي يبدأ بالتوصل إلى اتفاق بين لبنان وإسرائيل يحظى بدعم عربي ودولي، لافتًا إلى أن هذا المسار يرتبط أيضًا بتطوير العلاقات العربية وبالمفاوضات الجارية في الولايات المتحدة، بما يؤمّن للدولة اللبنانية الغطاء السياسي اللازم للانتقال تدريجيًا نحو حصر السلاح بيدها وإعادة الأمور إلى طبيعتها ضمن إطار الدولة ومؤسساتها.
أما في ما خصّ التفاوض المباشر مع إسرائيل، فأكد ضو أن الإعلان ينطلق من قناعة مفادها أن إنهاء حالة الحرب والنزاع المسلح بين لبنان وإسرائيل بشكل دائم يمر عبر التفاوض المباشر، مشيرًا إلى أن الموقعين حدّدوا شروطًا واضحة لأي عملية تفاوضية، تشمل الانسحاب الكامل، وعودة الأسرى، والاتفاق على التعويضات، فضلًا عن إرساء ضمانات وترتيبات أمنية متبادلة تمنع اندلاع أي مواجهة جديدة.
وعن طبيعة الإعلان وإمكان تحوله إلى مشروع سياسي، اعتبر ضو أن ما يمنحه أهمية خاصة هو اتساع قاعدة الموقعين عليه من سياسيين ومفكرين ومثقفين، فضلًا عن التنوع الوطني الذي يطبع مكوناته، مشيرًا إلى أن هذا الواقع يعكس نشوء حالة وطنية جديدة تتناول هذا الملف من زاوية مختلفة، تقوم على رفض التدخل الإيراني والاعتداءات الإسرائيلية معًا، ودعم الدولة الشرعية، والمطالبة بحصر السلاح بيدها، والتمسك بالدستور واتفاق الطائف، إلى جانب تبنّي مسار إصلاحي واضح.
وفي ختام حديثه، أوضح ضو أن الإعلان لا يزال في مرحلة تأسيس خطاب سياسي جديد، معتبرًا أنه لا يرقى بعد إلى مستوى المشروع السياسي المتكامل، بل يشكل محاولة لطرح أفكار وبناء أرضية مشتركة يمكن تطويرها تدريجيًا بما يواكب توجهات الدولة والعهد والحكومة. ولفت إلى أن انتقاله إلى إطار سياسي أوسع سيبقى مرتبطًا بمدى التفاعل الذي يحققه وقدرته على التبلور والنضوج في المرحلة المقبلة.
وبذلك، يشكل هذا الإعلان محطة لافتة على المستويين السياسي والوطني، نظرًا إلى حجم المشاركة فيه وتنوع الجهات والشخصيات التي تقف خلفه، فضلًا عن المضامين التي يطرحها في هذه المرحلة الحساسة. غير أن نجاحه في التحول إلى قوة تأثير فعلية سيبقى رهنًا بقدرته على صون هذا التنوع والبناء عليه لتحويله إلى إطار وطني وسياسي جامع ومستدام.