June 22, 2026   Beirut  °C
سياسة

غضب في الجنوب من رفع الأعلام الإيرانية... أين كان الدعم حين سقطت البلدات؟

في وقت يرزح فيه جنوب لبنان تحت وطأة الدمار والخسائر البشرية الناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية، تتواصل في المقابل التصريحات الإيرانية التي تتحدث عن ردع إسرائيل ومنعها من مواصلة استهداف الأراضي اللبنانية، إلى جانب تأكيدات متكررة من طهران بأنها سترد على أي اعتداء إسرائيلي يطال لبنان. إلا أن استمرار الواقع الميداني على حاله يثير تساؤلات متزايدة حول مدى ثقة البيئة الشيعية بهذه المواقف، في ظل غياب أي انعكاس عملي لها على الأرض.

وقد ازدادت هذه التساؤلات بعد التفاهم الأميركي ـ الإيراني والتوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان، في وقت تواصل فيه إسرائيل تنفيذ غاراتها واستهدافاتها للجنوب بوتيرة مرتفعة، الأمر الذي يوسع الهوة بين الخطاب السياسي الإيراني والوقائع الميدانية التي يعيشها أبناء المناطق الجنوبية.


وفي هذا السياق، كشفت مصادر مطلعة لمنصة "بالعربي" أن رفع أعلام الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عدد من البلدات الجنوبية المتضررة، ومنها الغندورية والنبطية، أثار حالة من الامتعاض لدى شريحة من الأهالي، لا سيما أن هذه الخطوة جاءت في مناطق ما زالت تعاني من آثار الحرب والدمار.


وبحسب المصادر، فقد رصد عدد من المراسلين التابعين لوسائل إعلام لبنانية وعربية أعلامًا إيرانية مرفوعة على أعمدة الكهرباء وفوق أبنية مهدمة خلال جولات ميدانية في المنطقة، ما أثار استياءً لدى بعض السكان، إضافة إلى شخصيات وعناصر محسوبة على حركة أمل، وإن بقي هذا الاستياء بعيدًا عن المواقف العلنية تجنبًا لأي توتر داخلي، خصوصًا في ظل استمرار عمليات انتشال الضحايا من الأحراج والبراري بواسطة فرق الدفاع المدني والصليب الأحمر.


ونقلت المصادر عن عدد من الأهالي تساؤلاتهم بشأن غياب أي دور إيراني مباشر في مواجهة ما تعرض له الجنوب، متسائلين عن جدوى رفع هذه الأعلام في وقت لم تُترجم فيه التهديدات الإيرانية إلى خطوات عملية تحد من حجم الخسائر أو تمنع وقوع الدمار. ووفق المصادر، لوّح بعض الأهالي بإمكانية إعلان موقف علني إذا لم تتم إزالة هذه الأعلام.


وأشارت المعلومات إلى أن اتصالات جرت مع مسؤولين بارزين في حزب الله، أسفرت عن إزالة بعض الأعلام، فيما بقي بعضها الآخر مرفوعًا على أعمدة الكهرباء والأبنية المتضررة. ولفتت المصادر إلى أن حجم الامتعاض الشعبي بدا واضحًا في تلك المناطق، في مشهد وصفته بأنه غير مألوف مقارنة بالمراحل السابقة.


ورأت المصادر أن هذه التطورات أعادت إلى الواجهة النقاش حول طبيعة الدعم الإيراني للبنان خلال مراحل التصعيد العسكري، ومدى الفارق بين الخطاب السياسي الذي يتحدث عن دعم الجنوب وبين الواقع الذي لم يشهد حتى الآن أي خطوات عملية في ملف إعادة الإعمار.


وأضافت أن الأوساط القريبة من حزب الله كانت تتحدث عن استعداد إيراني للمساهمة في إعادة إعمار الجنوب، كما حصل بعد حرب تموز عام 2006 وخلال مرحلة "إسناد غزة"، إلا أن أي مبادرة عملية أو دعم فعلي في هذا الاتجاه لم يظهر حتى الآن.


وبحسب المعطيات المتداولة، فإن إطلاق ورشة إعادة إعمار شاملة لا يبدو ممكنًا في المرحلة الحالية قبل التوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية أوسع، يتصدرها ملف سلاح حزب الله، في ظل مسار تفاوضي تشارك فيه أطراف إقليمية ودولية معنية بالملف اللبناني.


كما أشارت المصادر إلى أن بعض الطروحات التي نوقشت في إطار المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية برعاية أميركية تناولت ملف الإعمار ضمن سلة متكاملة تشمل الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب وإطلاق الأسرى، على أن يُبحث ملف إعادة الإعمار بالتوازي مع مقاربة مسألة سلاح حزب الله، ما يزيد من تعقيد هذا الملف وحساسيته في ظل استمرار الموقف الإسرائيلي الرافض لأي انسحاب غير مرتبط بتطورات هذا المسار.


ونقلت المصادر عن شخصيات لبنانية وغربية متابعة أن مستقبل هذه الملفات لا يزال مفتوحًا على أكثر من احتمال، بدءًا من التوصل إلى صيغة تقود إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وصولًا إلى استمرار التصعيد الإسرائيلي ومحاولة فرض معادلات جديدة على الأرض في حال تعثر الحلول السياسية.


أما على مستوى الموقف العربي والخليجي، فأكدت المصادر أن الدول العربية، وخصوصًا الخليجية، لم تبادر حتى الآن إلى إطلاق برامج دعم واسعة أو مسارات لإعادة الإعمار مرتبطة بالحرب الأخيرة، خلافًا لما شهدته مراحل سابقة من تاريخ لبنان.


وربطت المصادر هذا الواقع بالموقف الدولي عمومًا، والأميركي خصوصًا، باعتبار أن مسارات الدعم وإعادة الإعمار وتعزيز المؤسسات اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، تبقى مرتبطة إلى حد كبير بمآلات التسوية السياسية الشاملة للملف اللبناني.


وفي المحصلة، تعكس الوقائع الميدانية استمرار الفجوة بين الوعود الإيرانية المتكررة بالدفاع عن لبنان وبين ما تحقق فعليًا على الأرض. وبحسب القراءة التي تطرحها المصادر، فإن طريقة تعاطي طهران مع الملف اللبناني تبدو أقرب إلى مقاربة تنظر إلى لبنان بوصفه ساحة نفوذ وتأثير ضمن حساباتها الإقليمية، أكثر مما تنظر إليه كدولة تتطلب أولوياتها الأمنية والإنسانية استجابة مباشرة تتناسب مع حجم التحديات التي تواجهها، بما في ذلك داخل بيئتها الشيعية.