ماذا بعد إلغاء المحادثات الأميركية - الإيرانية التي كان مقررا عقدها في سويسرا، أمس، إلى أجل غير مسمى، وذلك بعد ساعات من إلغاء زيارة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى جنيف؟
وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يصدر أي توضيح رسمي بشأن أسباب التأجيل، في وقت تراجع فيه منسوب التفاؤل الذي ساد خلال اليومين الماضيين عقب الإعلان عن التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران، حظي لاحقا بتوقيع الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان.
وتثير هذه التطورات جملة من التساؤلات حول العقبات التي حالت دون انعقاد لقاء جنيف، والأسباب التي دفعت الطرفين إلى التكتم عليها. كما تطرح علامات استفهام بشأن ما إذا كان التأجيل يعكس تعثرا فعليا في مسار التفاهم، أم أنه يدخل في إطار مناورة سياسية من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المعروف بتبدل مواقفه حيال الملفات الكبرى، لا سيما بعدما أعلن أن "أمر إيران قد انتهى"، وأنها "لن تحصل على أي أموال، حتى عشرة سنتات"، قبل التوصل إلى اتفاق نهائي بعد انقضاء مهلة الـ 60 يوما المحددة للتوصل إلى اتفاق نهائي.
وفي قراءة لمصير التفاهم بعد إلغاء اللقاء الذي كان مرتقبا في جنيف، أكد الخبير في الشؤون الأميركية الصحافي علي بردى أن التفاهم القائم بين الولايات المتحدة وإيران لا يزال في مرحلة أولية ولم يرتق بعد إلى مستوى المعاهدة أو الاتفاق النهائي الشامل، ما يجعله عرضة للهشاشة ويضع علامات استفهام حول قدرته على الصمود واستمرار المفاوضات بين الجانبين، موضح أنه من المبكر الحديث عن انهيار المسار التفاوضي، إلا أن هناك عوامل عدة تؤثر سلبا في فرص نجاحه، وفي مقدمتها التطورات الميدانية في لبنان. وأشار إلى أن الملف اللبناني يشكل جزءا أساسيا من التفاهم الأميركي – الإيراني. ولفت إلى أن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة للاتفاقات السابقة، لا سيما منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، تشكل أحد أبرز التحديات.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن إسرائيل واصلت عملياتها العسكرية واستهدافاتها ضد حزب الله وضد الأراضي اللبنانية، كما أنها لم تنسحب من النقاط الخمس التي كانت قد احتلتها آنذاك، معتبرا أن هناك اليوم احتلالا فعليا لأجزاء من الأراضي اللبنانية.
وفي المقابل، رأى بردى أن لبنان يواجه مشكلة داخلية لا تقل أهمية، تتمثل في عدم قدرة السلطات اللبنانية على تنفيذ قراراتها المتعلقة بحصرية السلاح بيد الدولة. وقال إن هاتين المعضلتين تؤثران بصورة مباشرة وقوية على مستقبل التفاهم بين واشنطن وطهران.
وأوضح أن الاشتباكات المستمرة بين إسرائيل وحزب الله والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، التي سجلت عشرات الغارات منذ سريان وقف إطلاق النار، تعكس عجز الولايات المتحدة حتى الآن عن فرض التهدئة على الجانب الإسرائيلي، كما أن استمرار العمليات العسكرية من جانب حزب الله يفاقم الوضع ويزيد من صعوبة تثبيت الاستقرار، معتبرا أن هذا الواقع سيؤثر بلا شك في فرص نجاح التفاهم الأميركي – الإيراني. وشدد على أن هذا الأمر لا يعني بالضرورة انهياره، موضحا أن التفاهم يتضمن إشارات واضحة إلى ضرورة الحفاظ على الاستقرار في لبنان، إلا أن الأطراف المعنية مباشرة على الأرض، أي إسرائيل ولبنان وحزب الله، ليست أطرافا مباشرة في هذا التفاهم، ما يجعل تنفيذه أكثر تعقيدا ويبقي خطر التصعيد قائما.
وأشار بردى إلى أن استمرار التوتر قد يعرقل انتقال الولايات المتحدة وإيران إلى المرحلة التالية من المفاوضات، والمحددة بـ 60 يوما، والتي تهدف إلى التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي بين البلدين.
وردا على التساؤلات بشأن ما إذا كان التفاهم الحالي مجرد وسيلة لكسب الوقت أو لتجاوز استحقاقات سياسية داخلية لدى الجانبين، قال إن الاعتراضات على التفاهم كانت متوقعة سواء في الولايات المتحدة أو في إيران، موضحا أن نجاح المسار التفاوضي خلال المرحلة المقبلة قد يسمح بتحويل التفاهم الحالي إلى مدخل لاتفاق أكبر وأشمل، وربما إلى معاهدة تنظم العلاقة بين البلدين بصورة غير مسبوقة منذ عقود.
ورأى بردى أن هذا المسار قد يوفر متنفسا لكل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب والقيادة الإيرانية، في ظل الضغوط التي يواجهها الطرفان. فإيران تعاني من العقوبات والحصار والضغوط الاقتصادية والعسكرية، فيما تحتاج الإدارة الأميركية إلى تحقيق إنجاز سياسي وأمني يخفف من التوترات الإقليمية.
ومع ذلك، شدد على أن الوصول إلى اتفاق شامل يتطلب تنازلات كبيرة من الجانب الإيراني، لا سيما في ما يتعلق بأسلوب تعاطيه مع قضايا المنطقة وعلاقاته مع المجتمع الدولي. وقال إن المؤشرات الحالية لا تسمح بالجزم بما إذا كانت طهران مستعدة فعلا للقيام بمثل هذه التحولات.
أضاف بردى إن مواقف الرئيس ترامب تبقى عاملا مؤثرا في هذا السياق، نظرا إلى طبيعة مواقفه المتقلبة وتبدل خطاباته السياسية، إلا أن التفاهم لا يزال قائما حتى الآن، والعمل مستمر على أساس استكماله عبر المفاوضات المقبلة.
وفي ما يتعلق بلبنان، اعتبر أن هذا الملف يمثل إحدى العقد الأساسية التي يمكن معالجتها من خلال مسارات متوازية، تشمل المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، والحوار الداخلي اللبناني حول مسألة سلاح حزب الله، إضافة إلى دور إيراني محتمل يتمثل في التخفيف من استخدام لبنان كساحة مواجهة متقدمة مع إسرائيل. مؤكدا أن نجاح هذه المسارات يتطلب التزامات متبادلة من كل الأطراف المعنية. ورأى أن الطريق لا يزال طويلا ومعقدا أمام تحقيق الأهداف المرجوة.
وعن الفارق بين أي اتفاق محتمل في عهد ترامب والاتفاق النووي الذي أبرم في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، أوضح بردى أن الاتفاق المرتقب، في حال التوصل إليه، سيكون أوسع نطاقا بكثير من الاتفاق السابق. فإلى جانب الملف النووي، ستشمل المفاوضات قضايا سياسية وأمنية وإقليمية أوسع، مشيرا إلى أن مذكرة التفاهم الحالية تتضمن بنودا تتعلق بشكل من أشكال عدم الاعتداء بين الولايات المتحدة وإيران، وهي بنود لم تصبح ملزمة بعد، لكنها قد تتحول إلى التزامات رسمية إذا نجحت مفاوضات الـ 60 يوما.
وأكد أن التوصل إلى اتفاق من هذا النوع سيشكل تحولا تاريخيا في العلاقات الأميركية - الإيرانية، غير المسبوقة منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979، وهو لن يقتصر تأثيره على العلاقة الثنائية بين البلدين، بل سيمتد إلى حلفائهما في المنطقة، بمن فيهم حزب الله. وقال إن اتفاقا من هذا النوع قد يؤدي إلى قيام ترتيبات إقليمية تقوم على مبدأ عدم الاعتداء، الأمر الذي من شأنه، برأيه، أن يضعف المبررات التي يستند إليها للإبقاء على سلاح حزب الله. أضاف إن تراجع أسباب المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وانعكاس ذلك على العلاقة بين إسرائيل ومحور طهران، قد يفتح الباب أمام مسار تفاوضي لبناني - إسرائيلي أكثر جدية وفاعلية من السابق.
وفي انتظار اتضاح أسباب تأجيل لقاء سويسرا، يبقى التفاهم الأميركي - الإيراني في مرحلة اختبار دقيقة، وسط تحديات ميدانية وسياسية قد تعرقل مساره أو تدفع نحو إعادة صياغته. وبين التفاؤل الحذر والشكوك المتزايدة، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا التفاهم سيشكل مدخلا إلى اتفاق أوسع وأكثر استدامة، أم أنه سيبقى مجرد محطة موقتة في مسار طويل ومتوتر من التجاذبات بين واشنطن وطهران.